صلاح علي القادري
زيارة إعلامية وثقافية تكشف ملامح الصين الجديدة وتعكس عمق العلاقات اليمنية الصينية.
في إطار برنامج الزيارة الإعلامية والثقافية إلى جمهورية الصين الشعبية، وبدعوة كريمة من الجمعية الدبلوماسية العامة الصينية، حظيتُ برفقة نخبة من الإعلاميين والأكاديميين بفرصة استثنائية للاطلاع عن قرب على التجربة الصينية الحديثة، في رحلة امتزجت فيها الثقافة بالتكنولوجيا، والإعلام بالتنمية، والحضارة العريقة برؤية المستقبل.
كانت رحلة ثرية بالمعرفة والاكتشاف، تنقلنا خلالها بين العاصمة بكين ومقاطعة يوننان الساحرة، وشاهدنا كيف استطاعت الصين أن تبني نموذجاً تنموياً فريداً يقوم على احترام التاريخ، والاستثمار في الإنسان، وتسخير التكنولوجيا لخدمة التنمية، حتى أصبحت تجربتها واحدة من أبرز التجارب الملهمة في العالم المعاصر.
شوغانغ بارك… من ذاكرة الصناعة إلى آفاق المستقبل
كانت إحدى أبرز محطات الزيارة إلى “شوغانغ بارك”، المشروع الحضاري الذي يجسد فلسفة الصين الحديثة في إعادة توظيف الإرث الصناعي وتحويله إلى قيمة حضارية واقتصادية وثقافية.
فالمكان الذي كان يوماً واحداً من أكبر مجمعات الحديد والصلب في الصين، تحوّل اليوم إلى نموذج عالمي للتنمية المستدامة، حيث حافظت الصين على هويته الصناعية وتاريخه العريق، وأعادت دمجه ضمن رؤية حضرية حديثة تجمع بين البيئة والاقتصاد والثقافة والرياضة والتكنولوجيا.
وتضم المنطقة اليوم منشآت رياضية استُخدمت خلال دورة الألعاب الأولمبية الشتوية لعام 2022، إلى جانب مراكز للابتكار والذكاء الاصطناعي، ومرافق ثقافية وفنية، وحدائق بيئية، ومنصات إعلامية وسياحية تطل على مشاهد تجمع بين الماضي الصناعي وروح المستقبل.
وهناك يدرك الزائر أن الدول العظيمة لا تهدم ذاكرتها، بل تعيد تشكيلها لتصبح جسراً يعبر نحو المستقبل.
الذكاء الاصطناعي المجسد… عندما تصبح الروبوتات شريكاً في الحياة
وفي محطة أخرى تعكس التسارع المذهل للصين في ميادين الابتكار، زرنا مركز شيجينغشان للابتكار والتدريب على الإدراك اللمسي ومتعدد الوسائط للذكاء الاصطناعي المجسد في بكين.
بدت الزيارة وكأنها نافذة مفتوحة على المستقبل؛ حيث اطلعنا على نماذج متقدمة من الروبوتات البشرية وتقنيات الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين الرؤية والسمع واللمس والحركة، بما يمكّنها من أداء مهام متنوعة في الحياة اليومية والقطاعات الصناعية والخدمية.
وشاهدنا روبوتات قادرة على التفاعل الذكي مع الإنسان، وأخرى مخصصة لخدمة العملاء، وترتيب الغرف، وطي الملابس، وتنفيذ العديد من المهام الدقيقة، في مشهد يعكس حجم التقدم الذي أحرزته الصين في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتات متعددة المهام.
لقد بدا واضحاً أن الصين لا تسعى فقط إلى مواكبة الثورة التقنية العالمية، بل تعمل على المساهمة في صياغة مستقبلها وقيادة مساراتها القادمة.
الإعلام الصيني الحديث… منظومة رقمية متكاملة
وفي إطار التعرف على التجربة الإعلامية الصينية، زرنا مركز الإعلام المندمج في حي شيجينغشان بالعاصمة بكين، حيث اطلعنا على منظومة إعلامية متطورة توظف أحدث التقنيات الرقمية في إنتاج المحتوى وإدارته ونشره.
شملت الزيارة الاستديوهات الحديثة، وغرف الأخبار والتحرير، ومنصات الإعلام السحابية، وأنظمة إدارة المحتوى والبث، إضافة إلى منظومة البث الإذاعي للطوارئ.
كما استمعنا إلى شروحات وافية من المسؤولين والقائمين على المركز حول آليات العمل الإعلامي الحديثة، والتوجهات المستقبلية للإعلام الذكي، ودور التكنولوجيا في تطوير الرسالة الإعلامية وتعزيز وصولها إلى الجمهور.
وتخللت الزيارة جلسات حوارية ثرية جرى خلالها تبادل الخبرات والرؤى المهنية حول التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام في العصر الرقمي.
الإعلام اليمني… تاريخ عريق ورسالة مستمرة
وخلال جلسات النقاش وتبادل الخبرات، كان من دواعي الاعتزاز استعراض التجربة الإعلامية اليمنية العريقة التي تمتد جذورها لعقود طويلة من العمل الوطني والثقافي والتنويري.
فقد جرى الحديث عن إذاعة صنعاء التي تقترب من الاحتفاء بثمانين عاماً على تأسيسها، باعتبارها واحدة من أعرق الإذاعات العربية وأكثرها حضوراً وتأثيراً.
كما تم استعراض تاريخ الصحافة اليمنية، والإشارة إلى صحيفة “يمن” الصادرة في الحديدة عام 1871م، وصحيفة “صنعاء” الصادرة عام 1878م خلال العهد العثماني باللغتين العربية والتركية، باعتبارهما من أوائل الإصدارات الصحفية في الجزيرة العربية.
وتناول النقاش كذلك مسيرة صحيفة الثورة، وتجربة قناة سبأ الفضائية، ودورهما في مواكبة التحولات الوطنية والسياسية والاجتماعية، إلى جانب التحديات التي واجهها الإعلام اليمني خلال العقود الأخيرة.
ورغم الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، ظل الإعلام اليمني حاضراً برسالته الوطنية والثقافية، معبّراً عن عراقة اليمن وهويته الحضارية.
لقاءات دبلوماسية تعزز جسور الصداقة
ومن المحطات المهمة خلال الزيارة اللقاء بعدد من الشخصيات الدبلوماسية والثقافية الصينية، وفي مقدمتها السيدة تونغ شياولينغ، في لقاء عكس عمق العلاقات اليمنية الصينية الممتدة عبر عقود من التعاون والاحترام المتبادل.
وقد شكلت هذه اللقاءات فرصة للاطلاع على الرؤية الصينية في بناء العلاقات الدولية القائمة على الاحترام المتبادل والتعاون المشترك والتواصل الحضاري بين الشعوب.
كما لمسنا خلال مختلف اللقاءات حجم التقدير الذي تكنّه الصين لليمن وشعبه، وهو ما يعكس متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين الصديقين.
يوننان… الصين الخضراء التي تذكرنا بإب اليمنية
كانت مقاطعة يوننان واحدة من أجمل محطات الرحلة وأكثرها حضوراً في الذاكرة.
ففي هذه المقاطعة الواقعة جنوب غرب الصين تتجلى روعة الطبيعة وتنوع الثقافات، حيث تضم عشرات القوميات التي تحتفظ بعاداتها وتقاليدها وأزيائها وفنونها الشعبية، إلى جانب ما تتميز به من جبال شامخة ومدرجات زراعية وبحيرات وأنهار وغابات خضراء ممتدة.
وقد أعادت إلينا يوننان في كثير من مشاهدها الطبيعية جمال محافظة إب اليمنية قبل سنوات الحرب، بما تمتلكه من طبيعة ساحرة وأجواء هادئة ومناظر آسرة.
ولم تكن زيارتنا مجرد جولة رسمية، بل تجربة إنسانية وثقافية متكاملة، تعرفنا خلالها على الفلكلور الشعبي والرقصات التراثية والأزياء التقليدية والموسيقى المحلية التي تعكس ثراء الهوية الثقافية للمقاطعة.
كما زرنا مزارع البن والشاي، واطلعنا على مراحل الزراعة والإنتاج والتصنيع، وشاهدنا نماذج متقدمة للتنمية الزراعية التي توظف التقنيات الحديثة في خدمة الإنتاج والاستدامة.
وكان أكثر ما يلفت الانتباه هو ذلك الانسجام الرائع بين الإنسان والطبيعة؛ خضرة تمتد بلا حدود، وقرى تنبض بالحياة، ووجوه بشوشة تستقبلك بمحبة وتودعك بمحبة.
لقد استقبلنا أبناء يوننان بابتسامات صادقة وحفاوة لافتة، وشعرنا منذ اللحظة الأولى أننا بين أصدقاء نعرفهم منذ زمن طويل. كانوا يستقبلون ضيوفهم بالأهازيج الشعبية والعروض التراثية، ويحدثونهم بفخر عن تاريخهم وثقافتهم وموروثهم الحضاري، في صورة تجسد عمق القيم الإنسانية التي يتميز بها الشعب الصيني.
الإعلام والتواصل الحضاري في يوننان
وخلال زيارتنا للمركز المقاطعي للتواصل الدولي ومجموعة صحيفة يوننان اليومية، اطلعنا على تجربة إعلامية متقدمة توظف أدوات الإعلام الرقمي والتقنيات الحديثة لتعزيز الحضور الإعلامي والثقافي للمقاطعة.
واستمعنا إلى شرح مفصل من قيادات المؤسسة الإعلامية حول آليات العمل التحريري والتطوير الرقمي، ودور الإعلام في تعزيز التواصل الحضاري والثقافي مع شعوب العالم، خاصة في إطار مبادرة الحزام والطريق.
كما شهدت الزيارة سلسلة من الندوات واللقاءات الحوارية مع إعلاميين وصحفيين ومتخصصين في الإعلام والإذاعة والتلفزيون، جرى خلالها تبادل الخبرات والرؤى المهنية ومناقشة تحديات الإعلام الحديث وسبل تطوير التعاون الإعلامي والثقافي بين اليمن والصين.
ومن أبرز اللقاءات اجتماعنا مع مسؤول الخارجية في مقاطعة يوننان السيد وِن جِي شيونغ، حيث تناول اللقاء العلاقات اليمنية الصينية، وأوضاع الطلاب اليمنيين في المقاطعة، وآفاق التعاون الثقافي والإعلامي والتعليمي بين البلدين.
الصين… تجربة تلهم العالم
لقد كشفت لنا هذه الزيارة جانباً مهماً من فلسفة الصين الحديثة؛ فلسفة تقوم على احترام التاريخ، والاستثمار في الإنسان، والإيمان بأن التنمية الحقيقية لا تقتصر على الاقتصاد وحده، بل تشمل الثقافة والمعرفة والتكنولوجيا والوعي الحضاري.
في الصين تشاهد كيف يمكن للإرادة والتخطيط والعمل المتواصل أن يحوّل المصانع القديمة إلى مراكز نابضة بالحياة، وأن يجعل من الذكاء الاصطناعي شريكاً في تفاصيل الحياة اليومية، وأن يبني منظومات إعلامية حديثة تستشرف المستقبل وتواكب التحولات العالمية.
لقد كانت هذه الرحلة، بكل ما حملته من لقاءات وتجارب ومشاهد إنسانية وثقافية، تجربة غنية بالمعرفة والمحبة والانفتاح الحضاري، ستظل محفورة في الذاكرة والوجدان.
خالص الشكر والتقدير
نتقدم بخالص الشكر والتقدير والامتنان إلى سفارة جمهورية الصين الشعبية لدى اليمن، وإلى الجمعية الدبلوماسية العامة الصينية، وإلى جميع المؤسسات والشخصيات التي أسهمت في إنجاح هذه الزيارة الإعلامية والثقافية الثرية، على ما لمسناه من حسن استقبال وكرم ضيافة وتنظيم متميز.
كما نعبر عن تقديرنا لكل من أسهم في فتح آفاق جديدة للحوار والتعاون والتفاهم بين الشعبين الصديقين، مؤكدين أن مثل هذه الزيارات تمثل جسوراً مهمة لتعزيز التواصل الثقافي والإعلامي والإنساني، وترسيخ علاقات الصداقة التاريخية بين اليمن والصين.
لقد كانت رحلة إلى الصين… لكنها في جوهرها كانت رحلة إلى المستقبل، ورسالة محبة وصداقة تؤكد أن الحوار والتعاون والتفاهم بين الشعوب يظل الطريق الأجمل لبناء عالم أكثر ازدهاراً وسلاماً.
