‏الشرعية.. آخر عناوين اليمن

سمير اليوسفي

لا أحد يدّعي، ولا ينبغي لأحد أن يزعم، أن مجلس القيادة الرئاسي يمثل سلطة سياسية خالية من التباينات، أو أن الحكومة التنفيذية تدير الملفات الاقتصادية والخدمية بكفاءة نموذجية. الحديث عن بطء الحركة السياسية للمجلس، أو ترهل الأداء الإداري للحكومة، ليس سرًا يُذاع، بل واقع يلمسه اليمنيون كل يوم. لكن السياسة الواقعية تفرض فرزًا دقيقًا بين الكيان والإدارة؛ فخلافك مع أداء حكومة متعثرة لا يبرر أبدًا خلط الأوراق وإسقاط شرعية مجلس القيادة الرئاسي، باعتباره المظلة السيادية والقانونية الوحيدة للدولة. إن المساواة بين دولة بمؤسساتها السياسية والتنفيذية وبين ميليشيا عقائدية مسلحة نوع من الانتحار السياسي.
خذوا مثلًا أزمة الأجواء الأخيرة، لتدركوا كيف تُدار الأمور بالأرقام والوقائع لا بالشعارات. عندما تقرر جماعة الحوثي احتجاز طائرات الناقل الوطني وتجميد أكثر من مائة مليون دولار من أرصدة الشركة في بنوك صنعاء، ثم تستميت في فرض خطوط طيران إيرانية بديلة، فإنها تتحدى سيادة الدولة التي يمثلها مجلس القيادة الرئاسي. ومن هنا جاء القرار الحاسم لرئيس مجلس القيادة الرئاسي، الدكتور رشاد العليمي، بمنع هبوط الطائرات الإيرانية، اتساقًا مع مبدأ السيادة الكاملة والحصرية للدولة على مجالها الجوي، الذي تقرره اتفاقية شيكاغو الدولية للطيران المدني.
وفي مقابل هذا الحزم السيادي، تحركت الدبلوماسية الشرعية، بدعم من الرياض، لانتزاع استجابة كريمة من الأردن الشقيق بتسيير رحلات إنسانية بين صنعاء وعمّان لتخفيف معاناة الناس. لكن الرفض الحوثي الفوري والمألوف للترتيب المقترح قطع دابر الأكاذيب؛ فالجماعة لا تبحث عن نوافذ سفر لليمنيين، بل عن رهائن تتاجر بآلامهم في سوق المقايضة السياسية، لتثبت مجددًا أن إملاءات وصاية الولي الفقيه تتقدم لديها على مصالح شعب بأكمله.
كل البروباغندا التي ترفعها الجماعة حول مواجهة الحصار تسقط أمام لغة الأرقام الصادمة. اليمنيون يدركون اليوم أن هذه المعارك الوهمية ليست سوى غطاء مفضوح للتهرب من الالتزامات؛ فعائدات ميناء الحديدة والجمارك وحدها تكفي لدفع الرواتب لو التزمت الميليشيا باتفاق ستوكهولم، الذي نص على توريد هذه المليارات لحساب مرتبات موظفي الخدمة المدنية. لكنها اختارت نهب الموارد لتمويل كانتون عسكري يثري قادته ويترك الشعب للجوع. والتاريخ القريب يثبت أنه كلما اقتربت الحكومة الشرعية من انتزاع انفراجة إنسانية، تحركت الميليشيا للتصعيد، لأن طهران تريد إبقاء الملف اليمني مجرد ورقة نارية في مفاوضاتها الدولية.
اليمن، بحكم الجغرافيا، ليس جزيرة معزولة؛ إنه يقع على خط التماس المباشر مع أمن الخليج ومضيق باب المندب، أي في صلب شرايين التجارة العالمية. وفي هذه المعادلة، يبرز الفارق الصارخ بين نموذجين: نموذج سعودي قدّم ويقدم باستمرار دعمًا ممتدًا للاقتصاد والخدمات، ويسند جهود الحكومة لإنعاش التنمية، وسعى بجدية لتحقيق السلام؛ ونموذج إيراني لا يرى في جغرافيا اليمن سوى منصة لإطلاق المسيّرات وتهديد الملاحة الدولية. انظروا إلى بيروت وما فعله نفوذ طهران في اقتصادها لتعرفوا بوضوح ما ينتظر صنعاء. تحويل اليمن إلى مجرد نسخة من «حزب الله» على البحر الأحمر لن يجلب لليمنيين استقرارًا، بل سيحوّل بلادهم إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.
الالتفاف حول مجلس القيادة الرئاسي، وإسناد قرارات الحكومة السيادية اليوم، ليس شيكًا على بياض للأشخاص، بل دفاع عن «العنوان القانوني» الوحيد المسجل باسم الجمهورية اليمنية والمعترف به في العالم. ومن دون هذه المظلة الشرعية، يتآكل الاعتراف الدولي، ويتحول اليمني من مواطن تحميه دولة إلى رَعَوِيٍّ تُدار حياته بمنطق الغلبة والسلاح. المعركة اليوم تجاوزت الخلاف التقليدي على تقييم أداء حكومة؛ إنها معركة وجود الدولة نفسها. وحين يوشك الاسم المشترك لليمنيين على الشطب من السجل الدولي، فإن التخندق في مربع المتفرجين ليس حكمة سياسية، بل توقيع طوعي على صك التنازل عن الخارطة.

تعليقات الفيس بوك
Exit mobile version