د. عبده سعيد المغلس
عضو مجلس الشورى اليمني
18 سبتمبر 2026
ثمة أسئلة مؤلمة لا يجوز الهروب منها ونحن نبحث عن تفسير لما حدث في الساحل الغربي، أو نتحدث عن تحالف دولي محتمل لمواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية:
هل مشكلة الشرعية اليمنية أنها تُركت وحيدة، أم أنها لم تستطع حتى الآن تحويل ما حصلت عليه من دعم إلى دولة موحدة القرار والإرادة والسلاح؟
لمجلس القيادة رئيس فلماذا لا يتوحد المجلس تحت قيادته؟
لمكونات الشرعية دولة ومشروع جمهوري واستعادة صنعاء فلماذا لا تتوحد هذه المكونات تحت رايتهما؟
الوقائع تجعل هذه الأسئلة وغيرها مشروعة.
فمنذ انطلاق عاصفة الحزم، لم تقف المملكة العربية السعودية إلى جانب الشرعية اليمنية في المجال العسكري وحده.
تحملت المملكة أعباء سياسية وعسكرية وأمنية واقتصادية وإنسانية وتنموية هائلة، ووفرت للحكومة الشرعية غطاءً إقليمياً ودولياً، وقدمت الدعم للبنك المركزي والموازنة والرواتب والمشتقات النفطية والخدمات والمشاريع والبنية التحتية، واستضافت القيادات والمؤسسات اليمنية، وظلت بالنسبة للدولة اليمنية عمقها الإقليمي الأهم في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية والمشروع الإيراني، ولم يتوقف ذلك الدعم حتى في السنوات التي تراجعت فيها العمليات العسكرية المباشرة.
المملكة لا تزال تدفع باتجاه إعادة بناء مؤسسات الدولة وتوحيد أجهزتها العسكرية والأمنية، وتتحمل جزءاً كبيراً من كلفة منع الانهيار الاقتصادي والخدمي في المناطق المحررة.
لكن هنا تبدأ المسألة التي ينبغي أن يقولها اليمنيون لأنفسهم قبل أن يقولوها لأي حليف:
السعودية تستطيع أن تدعم الدولة اليمنية، لكنها لا تستطيع أن تكون الدولة اليمنية بدلاً من اليمنيين.
تستطيع أن تقدم المال، لكنها لا تستطيع أن تشتري به عقيدة وطنية.
تستطيع أن تدعم جيشاً، لكنها لا تستطيع أن تجعل وحداته جيشاً وطنياً واحداً إذا بقي كل قائد يرى وحدته ملكاً له، وكل فصيل يرى سلاحه ضمانة لمشروعه، وكل حزب ينظر إلى مؤسسات الدولة باعتبارها حصة، وكل منطقة تبحث عما يخصها قبل أن تبحث عما يخص الجمهورية.
تستطيع المملكة أن تساعد على بناء غرفة عمليات، لكنها لا تستطيع أن تضع داخلها إرادة يمنية موحدة إذا دخل إليها اليمنيون بولاءات متعددة وخرج كل منهم منها إلى مرجعيته الخاصة.
وهنا تقع واحدة من أعقد مفارقات الحرب اليمنية: مليشيا الحوثي الإرهابية تقاتل اليمنيين بمشروع واحد، بينما يقاتلها خصومها بمشاريع متعددة.
• هناك من يقاتل من أجل الجمهورية.
• ومن يقاتل من أجل حزبه.
• ومن يقاتل من أجل منطقته.
• ومن يفكر في موقعه في السلطة القادمة.
• ومن ينظر إلى الوحدة العسكرية باعتبارها نفوذاً شخصياً.
• ومن يحسب حصته قبل أن تُحسم الحرب.
وهكذا يجد اليمني نفسه أحياناً أمام خصم شديد المركزية في قراره، بينما يقف في الجانب الآخر معسكر أوسع عدداً وإمكانات، لكنه موزع بين الولاءات والمصالح والحسابات.
وهذه ليست مشكلة عسكرية فقط، إنها امتداد لمرض أقدم في الحياة السياسية اليمنية، “ثقافة الفَيْد والغنيمة”.
أي النظر إلى الدولة لا باعتبارها مؤسسة عامة يجب بناؤها، وإنما باعتبارها مورداً يجب اقتسامه.
• الوزارة غنيمة.
• والمنصب غنيمة.
• والوحدة العسكرية نفوذ.
• والمحافظة حصة.
• والإيراد مورد لجماعة.
• والتعيين مكافأة ولاء.
وحين تنتقل هذه الثقافة إلى زمن الحرب تصبح أكثر خطورة، لأن الحرب نفسها تتحول عند البعض من معركة لاستعادة الدولة إلى فرصة لإعادة توزيع النفوذ داخل الدولة التي لم تُستعد بعد.
وهنا تصبح المفارقة مؤلمة، نتنازع على غنائم دولة لم نستعدها بعد.
وقد يكون هذا أحد أكثر التفسيرات قسوة لما تعانيه مكونات الشرعية.
فالخصم يقاتل لتوسيع سلطته، بينما ينشغل بعض خصومه بكيفية توزيع السلطة التي لم يستعيدوها.
الخصم يحشد موارده للحرب، بينما تُستنزف بعض موارد الدولة في شبكات المصالح والازدواج الوظيفي والفساد والمحسوبية والصراع على التعيينات.
والخصم يعرف ـ في معظم الأحيان ـ من يصدر الأمر العسكري الأخير، بينما قد يحتاج معسكر الشرعية إلى معرفة أي قيادة وأي تشكيل وأي مرجعية سياسية ستتخذ القرار.
ولا ينبغي أن تتحول هذه المكاشفة إلى جلد للذات، بل العكس، الاعتراف بالمشكلة هو أول شروط الخروج منها.
فليس من الإنصاف تحميل رئيس مجلس القيادة أو تحميل المملكة العربية السعودية مسؤولية كل إخفاق يمني، مثلما ليس من الإنصاف إعفاء مجلس القيادة أو السياسة الإقليمية من النقد عند الخطأ ومواجهته، وهذا ما حصل مع دولة الإمارات الشقيقة كحليف عندما وظفت شراكتها لمشاريع لا تخدم اليمن والتحالف.
لكن بعد أكثر من عقد من الحرب، ينبغي أن نمتلك الشجاعة الكافية للتمييز بين ما يستطيع الحليف فعله وما يجب أن نفعله نحن اليمنيون.
الحليف يستطيع أن يمدك بالسلاح، لكن أنت من يجب أن يبني الجيش.
الحليف يستطيع أن يدعم البنك المركزي، لكن أنت من يجب أن يبني مؤسسات مالية تحمي المال العام.
الحليف يستطيع أن يفتح لك الأبواب الدولية، لكن أنت من يجب أن يقدم للعالم دولة تستحق أن يُراهن عليها.
الحليف يستطيع أن يساعدك على استعادة الأرض، لكن أنت وحدك تستطيع أن تجعل الأرض المستعادة دولة لا ساحة جديدة للتنافس.
ومن هنا فإن السؤال بعد المخا لا ينبغي أن يكون فقط:
ماذا ستفعل السعودية؟
ولا: ماذا ستفعل الولايات المتحدة؟
ولا حتى: هل سيولد تحالف دولي جديد؟
هناك سؤال يسبقها جميعاً: ماذا سيفعل اليمنيون بأنفسهم؟
هل سيتوحد مجلس القيادة تحت رئيسه؟
وهل ستتوحد كل المكونات تحت راية الدولة؟
لأن الدعم الخارجي، مهما كان حجمه، يعمل كمضاعف للقوة ولا يصنع القوة من العدم.
إذا كانت لديك قيادة موحدة، يضاعف الدعم قوتها.
وإذا كان لديك جيش مؤسسي واحد، يضاعف قدرته.
وإذا كانت لديك مؤسسات دولة فاعلة، يضاعف نفوذها.
لكن إذا كان لديك انقسام، فقد تتوزع المساعدة على الانقسام نفسه.
وإذا كان لديك تعدد في الولاءات، قد تتحول الموارد إلى تعزيز لمراكز القوة المتعددة بدلاً من صهرها في مركز دولة واحد.
ولهذا فإن أعظم استفادة من سقوط المخا، وأفضل وفاء يمكن أن يقدمه اليمنيون – في هذه اللحظة الحاسمة- لأنفسهم ودولتهم وجمهوريتهم، ولكل ما قدمته المملكة والدول الشقيقة والصديقة هو: بناء دولة تستطيع الوقوف على قدميها.
• دولة يكون الولاء والقرار السياسي فيها لقائد واحد.
• دولة يكون ولاء الجيش فيها لعلم واحد.
• والقرار العسكري فيها لقيادة واحدة.
• والمال العام فيها لخزينة واحدة.
• والسلاح الثقيل فيها للدولة وحدها.
• والمنصب فيها مسؤولية لا غنيمة.
• والتحالفات السياسية فيها وسيلة لإنقاذ الجمهورية لا لتقاسم ما بقي منها.
وهنا تحديداً ينبغي أن نفهم ما تحاول الرياض فعله في المرحلة الراهنة من إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية والأمنية.
المطلوب ليس جمع أسماء التشكيلات تحت مظلة واحدة مع بقاء ولاءاتها القديمة كما هي.
فذلك توحيد على الورق.
التوحيد الحقيقي هو أن تصبح هناك سلسلة قيادة واحدة، وعقيدة قتالية واحدة، ونظام رواتب وتسليح وترقية ومحاسبة واحد، وغرفة عمليات واحدة، وقرار حرب وسلم واحد.
أي الانتقال من تحالف قوات إلى قوات دولة.
وهذه ربما تكون المعركة اليمنية الأصعب والأسهل باستشعار الخطر وتوحيد الجبهات.
لأن استعادة المخا قد تحتاج عملية عسكرية.
لكن استعادة الدولة من ثقافة الغنيمة تحتاج ثورة في مفهوم السلطة نفسه.
ومع ذلك، فإن ما حدث على الساحل الغربي قد يقدم فرصة قاسية لتحقيق ما أخفقت سنوات السياسة في تحقيقه.
فالخطر حين يصل إلى باب المندب يسقط كثيراً من ترف الخلافات القديمة.
• لا قيمة لحصة سياسية في دولة تتآكل.
• ولا معنى لنفوذ محلي إذا تحول الوطن كله إلى أوراق في أيدي الآخرين.
• ولا يستطيع حزب أو منطقة أو قائد أن ينتصر وحده في حرب بهذا الحجم.
لقد وصلت المعركة إلى النقطة التي يصبح فيها توحيد الصف اليمني ضرورة بقاء، لا شعار مصالحة.
وهنا تصبح العلاقة مع المملكة أكثر نضجاً أيضاً.
فالعلاقة التي يحتاجها اليمن ليست علاقة دولة تمول وفرقاء يتقاسمون.
وليست علاقة حليف يحمل العبء إلى ما لا نهاية بينما ينتظر اليمنيون نتائج جهده.
ما يحتاجه البلدان هو شراكة بين سعودية توفر العمق الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي، ويمن يعيد بناء وتوحيد مركزه الوطني والعسكري والمؤسسي.
فالسعودية القوية تحتاج إلى يمن مستقر على حدودها.
واليمن الذي يريد استعادة دولته يحتاج إلى عمق سعودي قوي.
وتتقاطع المصلحتان اليوم بصورة أوضح عند البحر الأحمر وباب المندب، حيث لم يعد انهيار الدولة اليمنية شأناً يمنياً داخلياً، بل ثغرة تستطيع إيران ومليشيا الحوثي الإرهابية تحويلها إلى تهديد مباشر لأمن المملكة والطاقة والتجارة الدولية ومصالح العالم.
ولهذا فإن اللحظة الراهنة ينبغي ألا تنتج طلباً يمنياً بمزيد من الدعم فقط.
ينبغي أن تنتج عهداً يمنياً جديداً في كيفية استخدام الدعم وتوحيد القرار اليمني.
فإذا كان اليمنيون يريدون من السعودية أن تستمر في الوقوف معهم، ومن العالم أن يقف إلى جانبهم في مواجهة مليشيا الحوثي الإرهابية، فعليهم أولاً أن يقفوا هم إلى جانب دولتهم وتوحيد أنفسهم تحت قيادة واحدة وعلم واحد.
وأن ينتقلوا من سؤال: ما حصتي من الشرعية؟
إلى السؤال الوحيد الذي يليق بلحظة كهذه، كيف نتوحد لنستعيد الجمهورية؟
عندها فقط تتحول المساندة السعودية من حبل يمنع الدولة من السقوط إلى رافعة تساعدها على النهوض، وعندها يصبح أي تحالف دولي مقبل إضافة إلى قوة يمنية موحدة، لا بديلاً عن قوة يمنية ممزقة.
فالخلل في اليمن لم يكن دائماً في قلة الأصدقاء، كان في أحيان كثيرة في عجز اليمنيين عن أن يكونوا حلفاء لبعضهم.
جمعتكم قيادة واحدة وراية واحدة ومعركة واحدة
