نظام المدفوعات في اليمن: هل تبدأ استعادة الاقتصاد من حركة الأموال؟

وحيد عبد الكريم الفودعي
في الثالث من أغسطس/آب 2026، أُشهرت في عدن الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة، بمساهمة البنوك التجارية والإسلامية وبنوك التمويل الأصغر والمؤسسات المالية، بعد أيام من استكمال إعادة هيكلة شركة الشبكة الموحدة للأموال، ورفع رأسمالها، وتوسيع قاعدة ملكيتها بانضمام البنوك العاملة في اليمن، وتأتي الخطوتان ضمن مشروع أوسع يقوده البنك المركزي اليمني لبناء أنظمة حديثة للمدفوعات والمقاصة والتسوية، بدعم من البنك الدولي وتنفيذ برنامج الأمم المتحدة الإنمائي.
تفتح هذه التطورات ملفًا ظل بعيدًا عن النقاش الاقتصادي العام في اليمن، رغم اتصاله المباشر بكفاءة الدولة والبنوك والأسواق؛ فطريقة انتقال الأموال بين حسابين، وتسوية التزامات البنوك، ودفع الرواتب والضرائب والتحويلات، تحدد سرعة دوران النقود، وكلفة المعاملات، ومستوى السيولة، وقدرة البنك المركزي على رؤية التدفقات المالية وإدارة المخاطر الناشئة عنها.
يمتلك اليمن بنوكًا وشركات صرافة ومحافظ إلكترونية وشبكات حوالات وأجهزة صراف آلي ونقاط بيع، غير أن هذه المكونات نشأت وعملت خلال سنوات الحرب داخل بيئة مجزأة، وتفاوتت درجة الاتصال بينها، وانتقلت نسبة واسعة من النشاط المالي إلى قنوات نقدية وشبكات خاصة، ومع تأسيس الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة، وتطوير نظام للتسوية الإجمالية الفورية ونظام للدفع السريع، يصبح السؤال المطروح متعلقًا بقدرة هذه المشاريع على جمع المكونات المتفرقة داخل بنية مالية وطنية مترابطة.
اقتصاد تحكمه السيولة النقدية
توضح بيانات البنك الدولي حجم الفجوة التي يبدأ منها مشروع المدفوعات؛ فقد ارتفعت نسبة البالغين الذين يملكون حسابًا لدى مؤسسة مالية أو مقدم لخدمات الأموال عبر الهاتف من 6% عام 2014 إلى 12% عام 2022، وظلت دون متوسط منطقة الشرق الأوسط البالغ 48%، كما بلغت نسبة النساء اللاتي يمتلكن حسابًا مصرفيًا نحو 2%، وقدّر البنك الدولي أن قرابة نصف السكان لا يملكون وثائق هوية وطنية.
وتظهر هيمنة النقد بصورة أوضح داخل قطاع الأعمال؛ إذ تدفع 97.2% من الشركات أجور موظفيها نقدًا، بينما تستخدم 2.1% منها النظام المصرفي لهذا الغرض، ويتلقى 68.1% من الموردين مستحقاتهم نقدًا، ويحصل 20.6% منهم عليها عبر حوالات تنفذها شركات الصرافة، في حين تمر 7.6% فقط من مدفوعات الموردين عبر القنوات المصرفية، وتعكس هذه الأرقام اقتصادًا تتحرك معظم معاملاته خارج الحسابات البنكية، وتبقى تفاصيله بعيدة عن أنظمة التسوية والرقابة المالية.
أدى تراجع الثقة بالبنوك وأزمة السيولة خلال سنوات الحرب إلى توسع دور شركات ومنشآت الصرافة والحوالات، وامتدت أنشطتها إلى التحويلات وتمويل جانب من التجارة؛ وتضم قائمة الكيانات المرخصة التي نشرها البنك المركزي في عدن لعام 2026 عدد 93 شركة صرافة، و220 منشأة صرافة فردية، و105 وكلاء حوالات، وهي أعداد للكيانات المدرجة في القائمة الرسمية، ولا تمثل عدد فروعها أو نقاط خدماتها المنتشرة في المحافظات.
ينشأ عن اقتصاد النقد عدد من التكاليف الخفية؛ فالشركات تحتفظ بسيولة كبيرة خارج البنوك، والأفراد يتحملون مخاطر حمل الأموال ونقلها، والحكومة تواجه صعوبة في تتبع الإيرادات والمدفوعات، والبنوك تفقد مصدرًا مهمًا للودائع، كما يظل البنك المركزي أمام صورة جزئية لحركة الأموال، ويؤدي ذلك إلى إضعاف الوساطة المالية والائتمان والاستثمار وقدرة السياسة النقدية على التأثير في الاقتصاد.
ماذا يعني وجود نظام وطني للمدفوعات؟
يتكون نظام المدفوعات من المؤسسات والقواعد والأدوات التقنية التي تنقل القيمة بين الأطراف؛ تبدأ العملية بإصدار أمر الدفع، ثم تمر بمرحلة التحقق والمقاصة التي تحدد الالتزامات بين المؤسسات، وتنتهي بالتسوية عبر نقل الأرصدة بصورة نهائية، وتكمن الأهمية الاقتصادية في أن هذه العملية تسمح للبنوك والأفراد والشركات باستخدام الأموال بثقة، وتحد من مخاطر تأخر التسوية أو تعثر أحد الأطراف.
ويشكل نظام التسوية الإجمالية الفورية، المعروف اختصارًا بـ«RTGS»، العمود الفقري للمدفوعات بين البنوك؛ إذ ينفذ كل عملية كبيرة بصورة مستقلة وفورية عبر حسابات البنوك لدى البنك المركزي، ويمنح التحويل صفة نهائية خلال يوم العمل، بما يخفض مخاطر الائتمان والتسوية ويتيح للمؤسسات استخدام الأموال المستلمة مباشرة.
أما نظام الدفع السريع «FPS» فيخدم المعاملات اليومية للأفراد والشركات، ويوفر انتقال الأموال وإتاحتها للمستفيد في الوقت الفعلي أو خلال ثوان، وعلى مدار ساعات اليوم وأيام الأسبوع، ويتيح لعميل أحد البنوك أو المحافظ إرسال الأموال إلى عميل لدى مؤسسة أخرى، ودفع قيمة المشتريات والفواتير والخدمات من حساب واحد.
ويؤدي المقسم الوطني وظيفة الربط بين أجهزة الصراف الآلي ونقاط البيع والبطاقات والمحافظ، بحيث يستخدم العميل بطاقته أو محفظته خارج شبكة مؤسسته، فيما تعالج شركة المقاصة الأوامر المتبادلة وتحسب صافي التزامات المؤسسات قبل تسويتها، وتكتمل المنظومة عند وجود قواعد موحدة للهوية والحسابات والرسائل المالية وحماية المستهلك والأمن السيبراني.
ودشن البنك المركزي في السابع من مارس/آذار 2024 المرحلة الأولى من المقسم الوطني بربط سبعة بنوك، مع خطة لاستكمال ربط بقية البنوك، كما اتجه إلى توحيد شبكات الحوالات المحلية داخل الشبكة الموحدة للأموال؛ وفي يناير/كانون الثاني 2026 أفاد مدير عام نظم المدفوعات في البنك المركزي بإلغاء 22 شبكة تحويلات نقدية منفصلة، وبأن قيمة العمليات المنفذة عبر الشبكة الموحدة خلال عام 2024 تجاوزت 251 مليار ريال يمني، وهي أرقام أعلنها البنك في معرض الدفع الرقمي ولم تُنشر آنذاك ضمن تقرير إحصائي تفصيلي مدقق.
تتجه البنية الجديدة بذلك نحو توزيع الوظائف بين عدة مستويات؛ الشبكة الموحدة للحوالات النقدية، والمقسم الوطني لقنوات الدفع، والشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة لتشغيل البنية المشتركة، ونظام التسوية الإجمالية الفورية للعمليات بين البنوك، ونظام الدفع السريع للمعاملات اليومية، ويحتاج هذا البناء إلى تحديد دقيق لمسؤوليات كل مكون، ومسارات التسوية بينه وبين بقية الأنظمة، وقواعد العضوية والرسوم وإدارة المخاطر.
مشروع بخمسة أعوام
وافق البنك الدولي في 17 يونيو/حزيران 2025 على منحة قدرها 20 مليون دولار لمشروع البنية التحتية للأسواق المالية والشمول المالي في اليمن، وأصبح المشروع نافذًا في الأول من سبتمبر/أيلول 2025، وحدد موعد إغلاقه في 30 يونيو/حزيران 2030، ويتولى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تنفيذه؛ ويوزع التمويل على أربعة مكونات، تشمل 7.5 ملايين دولار لتطوير نظام الدفع السريع، و5.4 ملايين دولار لنظام التسوية الإجمالية الفورية وتحديث النظام المصرفي الأساسي للبنك المركزي في عدن، و2.36 مليون دولار لدعم الوصول إلى البنية واستخدامها، و4.74 ملايين دولار لإدارة المشروع.
وتستهدف خطة المشروع رفع الحسابات البنكية النشطة من نحو 1.06 مليون إلى 1.38 مليون حساب، وزيادة حسابات المحافظ الإلكترونية النشطة من نحو 375 ألفًا إلى قرابة 488 ألف حساب محفظة، إلى جانب زيادة نقاط الوصول المالي وخفض تكلفة المعاملات.
تكشف هذه المستهدفات اتساع المسافة بين امتلاك البنية التقنية وانتشار الاستخدام؛ فعدد الحسابات والمحافظ القائمة يبدو كبيرًا قياسًا بعدد المستخدمين الذين ينفذون مدفوعات فعلية، ويعني ذلك أن جزءًا من الحسابات يستخدم للسحب النقدي أو تلقي دفعة محددة، ثم يعود صاحبه إلى التعامل بالكاش، وتحتاج المنظومة إلى تحويل الحساب والمحفظة من قناة لسحب الأموال إلى أداة للاحتفاظ بالقيمة وإجراء المدفوعات بصورة متكررة.
استعادة دور البنوك
يسمح النظام الوطني للمدفوعات للبنوك باستعادة جزء من وظائفها التي انتقلت إلى قطاع الصرافة؛ فعندما يستطيع العميل تحويل الأموال فورًا إلى أي بنك أو محفظة، ودفع قيمة السلع والخدمات من حسابه، تقل حاجته إلى سحب الرصيد نقدًا ونقله عبر شبكة حوالات منفصلة، وتبقى الأموال داخل النظام المالي مدة أطول، بما يوسع الودائع ويحسن إدارة السيولة ويمنح البنوك موارد يمكن توجيهها إلى التمويل.
ويولد استخدام المدفوعات الإلكترونية سجلًا ماليًا للنشاط الاقتصادي، ويمكن للمشروعات الصغيرة التي تفتقر إلى ضمانات عقارية استخدام تاريخ المبيعات والتدفقات في إثبات قدرتها على السداد، كما تستطيع البنوك تطوير منتجات ائتمانية وتأمينية وادخارية تستند إلى بيانات حقيقية عن نشاط العميل، مع ضرورة إخضاع هذا الاستخدام لقواعد واضحة لحماية الخصوصية ومنع التمييز والاستغلال.
وتحتاج البنوك اليمنية في المقابل إلى معالجة أزمة الثقة التي تراكمت خلال سنوات الحرب؛ فقيمة الحساب الإلكتروني ترتبط بقدرة صاحبه على تحويل أمواله وسحبها واستخدامها لدى عدد واسع من التجار، وأي قيود غير معلنة على السحب أو فروق بين قيمة الرصيد النقدي والإلكتروني ستدفع المتعاملين إلى العودة سريعًا إلى الكاش، كما تتطلب الثقة حماية أرصدة المحافظ، وفصل أموال العملاء عن أموال مقدم الخدمة، والاحتفاظ بغطاء كامل للنقود الإلكترونية، وإجراءات واضحة لمعالجة الشكاوى والاحتيال والأخطاء.
الحكومة أكبر مستخدم محتمل
تمتلك الحكومة قدرة كبيرة على توسيع استخدام نظام المدفوعات من خلال الرواتب والمشتريات والضرائب والجمارك ورسوم الخدمات والتحويلات الاجتماعية، وقد أصدرت خلال 2023 تعليمات لفتح حسابات للموظفين الحكوميين لدى مؤسسات مالية معتمدة تمهيدًا لرقمنة الرواتب، غير أن غياب البنية المشتركة حدّ من القدرة على تنفيذ برنامج متكامل للمدفوعات الحكومية.
يمكن لنظام الدفع الجديد أن يربط حساب الخزانة العامة بحسابات الجهات الحكومية والموظفين والموردين، ويوفر بيانات يومية عن التدفقات الداخلة والخارجة، ويدعم مشروع الحساب الموحد للخزانة الذي تعمل عليه الحكومة والبنك المركزي ضمن برنامج الإصلاح الاقتصادي، كما يساعد وزارة المالية على إدارة أرصدتها وتوقيت مدفوعاتها وتقليص الأموال الحكومية الخاملة والموزعة بين حسابات متعددة.
وتحمل رقمنة الرواتب والتحويلات الاجتماعية أثرًا يتجاوز خفض كلفة التوزيع؛ فهي تسمح بتحديد المستفيد والتحقق من استلامه، وتقلل تعدد الوسطاء، وتدعم انتظام الصرف، وتمنح المواطن حسابًا يمكن استخدامه في المدفوعات والادخار، وقد أظهرت تجربة تجريبية للتحويلات النقدية في ثماني مديريات خلال 2024 فتح 10761 حساب محفظة إلكترونية، وتراوحت نسبة الإقبال على الخيار الرقمي في المديريات المستهدفة بين 40% و70%.
وتحتاج رقمنة مدفوعات الدولة إلى حرية حقيقية في اختيار مقدم الخدمة، وتعدد نقاط السحب والإيداع، وإعفاء أو تخفيض رسوم المدفوعات الأساسية، وتوفير بدائل للأشخاص الذين لا يملكون هواتف ذكية أو تغطية إنترنت مستقرة، كما ينبغي دفع رواتب الموظفين بالقيمة نفسها ومنع ظهور خصومات ناتجة عن عمولات التحويل أو شراء النقد.
أثر نقدي ومالي مباشر
تؤثر أنظمة المدفوعات الحديثة في إدارة السيولة؛ فالبنك المركزي يستطيع متابعة أرصدة البنوك والتزاماتها خلال اليوم، وتحديد المؤسسات التي تواجه عجزًا مؤقتًا، وتوفير تسهيلات قصيرة الأجل وفق قواعد معلنة، كما تكشف بيانات التسوية حجم الضغوط داخل القطاع المصرفي قبل انتقالها إلى السوق.
ويتيح انتشار المدفوعات الإلكترونية للبنك المركزي قياسًا أكثر انتظامًا لحركة النقود وسرعة تداولها، ويحسن تقدير الطلب على العملة الورقية، ويساعد على التخطيط للطباعة والنقل والتخزين والاستبدال، ويخفض كلفة إدارة النقد التي تشمل حماية الأموال وفرزها ونقلها بين المحافظات والمصارف.
كما تمنح المدفوعات الرقمية السلطات المالية قاعدة أفضل لتقدير النشاط الاقتصادي، وتحصيل الضرائب والرسوم، ومقارنة المبيعات المعلنة بالتدفقات الفعلية، ويحتاج هذا المسار إلى تدرج يحافظ على المشروعات الصغيرة ويشجعها على الدخول في الاقتصاد الرسمي، مع نظام ضريبي واضح وتكاليف امتثال معقولة.
وتساعد البيانات الموحدة في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والاحتيال؛ إذ يمكن تتبع مصدر العملية ووجهتها ونمطها، ومقارنة التحويلات بملف العميل ونشاطه، وقد ربط البنك المركزي توحيد شبكات الحوالات بتعزيز الرقابة والامتثال ومكافحة الأنشطة غير القانونية، كما يتضمن مشروع البنك الدولي دعم قواعد مكافحة غسل الأموال وتوسيع قابلية التشغيل البيني بين المؤسسات.
الانقسام المؤسسي
يعمل مشروع البنية التحتية الجديد تحت إدارة البنك المركزي في عدن، بينما تشهد مناطق سيطرة الحوثيين ترتيبات مالية ونقدية منفصلة، وقد أشار البنك الدولي إلى وجود نظام دفع سريع محدود المشاركة في تلك المناطق، إلى جانب آلية تؤدي بعض وظائف التسوية بين المؤسسات، في حين تفتقر مناطق الحكومة إلى نظام متكامل للتسوية الإجمالية الفورية والدفع السريع.
يفرض هذا الانقسام حدودًا جغرافية وتشغيلية على أي نظام يُبنى في الوقت الراهن؛ فانتقال الأموال بين مناطق العملتين يخضع لأسعار صرف مختلفة وقيود وإجراءات متعددة، وقد تتحول البنية الجديدة إلى نظام يعمل بكفاءة داخل مناطق الحكومة مع استمرار التحويلات العابرة للمناطق عبر ترتيبات وسيطة ومكلفة.
يحتاج التصميم منذ البداية إلى معايير تقنية وقانونية قابلة للتوسع، حتى تظل إمكانية الربط الوطني قائمة عند تغير الظروف السياسية، ويمكن استخدام المعايير الدولية للرسائل المالية والحسابات البنكية وآليات التسوية بما يخفف كلفة الربط مستقبلًا، ويحمي المشروع من التحول إلى بنية مغلقة مرتبطة بمرحلة مؤقتة من الانقسام.
وعلى مستوى المدفوعات الخارجية، انضم البنك المركزي اليمني في سبتمبر/أيلول 2023 إلى منصة «بُنى» التابعة لصندوق النقد العربي، والتي تتيح للمصارف المركزية والتجارية إرسال واستقبال المدفوعات بالعملات العربية والدولية، كما بدأ العمل على تطبيق رقم الحساب البنكي الدولي «IBAN» والانتقال إلى معيار الرسائل المالية «ISO 20022»، وتشكل هذه الخطوات أساسًا لربط الأنظمة المحلية بقنوات الدفع الإقليمية والدولية.
الحوكمة قبل التشغيل
تأسيس شركة مستقلة للمدفوعات والمقاصة بمساهمة البنوك يوفر إطارًا لتشغيل البنية المشتركة بعيدًا عن الأنظمة الخاصة بكل مؤسسة، ويحتاج نموذج الملكية إلى حوكمة تمنع سيطرة عدد محدود من البنوك الكبيرة على قرارات العضوية والتسعير والتطوير، وتحفظ وصول البنوك الصغيرة ومؤسسات التمويل الأصغر والمحافظ ومقدمي خدمات الدفع وفق شروط متناسبة مع المخاطر.
ويتولى البنك المركزي وضع القواعد والترخيص والرقابة وتوفير أصل التسوية النهائي عبر حسابات المؤسسات لديه، فيما تتولى الشركة تشغيل الأنظمة وفق معايير الخدمة والأمن والاستمرارية، ويقتضي وضوح الأدوار نشر نظام أساسي وتشغيلي يحدد صلاحيات الشركة والبنك المركزي، ومسؤولية كل طرف عند تعطل النظام أو وقوع اختراق أو تأخر التسوية.
كما ينبغي تحديد العلاقة بين الشركة اليمنية للمدفوعات والمقاصة وشركة الشبكة الموحدة للأموال؛ فالتداخل بين تشغيل الحوالات النقدية والمقسم الوطني والدفع السريع والمقاصة قد يخلق ازدواجًا في الأنظمة والرسوم والبيانات، ويمكن معالجة ذلك من خلال خريطة مؤسسية معلنة تحدد وظيفة كل شركة، ونقطة اتصالها بأنظمة البنك المركزي، وآلية تسوية معاملاتها.
ويحتاج الإطار القانوني إلى مراجعة متكاملة؛ فاليمن يمتلك قانون أنظمة الدفع والعمليات المالية والمصرفية الإلكترونية رقم 40 لسنة 2006، كما أصدر البنك المركزي في 2022 لائحة لتنظيم مقدمي ومشغلي أنظمة الدفع، غير أن الأنظمة الجديدة تطرح قضايا تتعلق بنهائية التسوية، وحماية أموال العملاء، والهوية الرقمية، وتبادل البيانات، والمسؤولية عن العمليات غير المصرح بها، والأمن السيبراني، والمنافسة بين مقدمي الخدمات.
تحديات الهوية والاتصالات والأمن
يمثل غياب وثائق الهوية لدى نسبة واسعة من السكان عائقًا مباشرًا أمام فتح الحسابات وتطبيق إجراءات التعرف على العميل، ويمكن تطوير مستويات متدرجة للحسابات تسمح بفتح حساب أساسي بحدود منخفضة وإجراءات مبسطة، ثم ترفع سقوفه بعد استكمال التحقق، بالتوازي مع تطوير الهوية الوطنية والربط الإلكتروني بين مؤسسات الدولة والقطاع المالي.
ويحتاج النظام إلى قنوات تعمل على الهواتف العادية عبر الرسائل أو الرموز المختصرة، وإمكانية تنفيذ بعض العمليات في بيئات ضعيفة الاتصال، وشبكة وكلاء قادرة على توفير الإيداع والسحب، خاصة في المديريات الريفية، كما تتطلب استمرارية الخدمة مراكز بيانات احتياطية، واتصالات من أكثر من مزود، ومصادر مستقلة للطاقة، وخططًا واضحة للتعافي من الكوارث.
وتزداد المخاطر السيبرانية مع انتقال الأموال إلى القنوات الرقمية؛ فقد تتخذ الهجمات شكل اختراق لأنظمة المؤسسات، أو سرقة لهويات العملاء، أو رسائل احتيالية، أو تلاعب بوكلاء الدفع، ويجب أن تتضمن المنظومة مركزًا لمراقبة التهديدات، ومعايير موحدة للمصادقة والتشفير، واختبارات دورية للاختراق، ونظامًا للإبلاغ عن الحوادث، وآلية سريعة لتجميد العمليات المشبوهة واسترداد الأموال عندما تسمح التحقيقات بذلك.
كيف نحكم على النتائج؟
يمكن قياس تقدم المشروع من خلال مؤشرات تشغيلية واقتصادية واضحة؛ نسبة المدفوعات الحكومية المنفذة إلكترونيًا، وعدد المستخدمين النشطين شهريًا، ومتوسط العمليات لكل حساب، وعدد التجار الفعليين، وحصة التحويلات التي تمر بين مؤسسات مختلفة، وزمن التسوية، ونسبة العمليات المتعثرة، وكلفة الدفع على العميل والتاجر، ومستوى توافر الأنظمة خلال العام.
ويضاف إلى ذلك حجم الأموال المحتفظ بها داخل الحسابات والمحافظ، ونسبة الرواتب التي تبقى إلكترونية بعد يوم الصرف، واتساع شبكة الوكلاء خارج المدن، ومشاركة النساء وسكان الريف، وعدد شكاوى العملاء وزمن معالجتها، وحجم الاحتيال والخسائر الناتجة عنه، فتلك المؤشرات توضح مقدار استخدام النظام والثقة التي حصل عليها.
ويمكن للبنك المركزي نشر تقرير ربع سنوي موحد عن المدفوعات، يتضمن عدد العمليات وقيمتها حسب القناة والمؤسسة والمنطقة، ورسوم الخدمات، وأداء الأنظمة، وحوادث الانقطاع، مع حماية بيانات العملاء والمراكز الفردية للمؤسسات، ويساعد الإفصاح المنتظم على بناء الثقة وتمكين الباحثين وصناع القرار من تقييم أثر المشروع.
حركة الأموال بوصفها سياسة اقتصادية
يمتلك اليمن اليوم فرصة لبناء بنية دفع حديثة خلال مرحلة يعاني فيها القطاع المصرفي ضعف الثقة والسيولة، وتسيطر المعاملات النقدية على أنشطة الأفراد والشركات والحكومة، وقد وفرت إعادة هيكلة الشبكة الموحدة، وإشهار شركة المدفوعات والمقاصة، وتمويل نظامي الدفع السريع والتسوية الفورية، عناصر مؤسسية يمكن جمعها داخل مشروع وطني متكامل.
يتطلب تحويل هذه العناصر إلى رافعة اقتصادية تشغيل الأنظمة بكفاءة، وربط جميع المؤسسات المرخصة، وضمان المنافسة، وتوفير السيولة، وحماية أموال العملاء وبياناتهم، ورقمنة مدفوعات الحكومة، وتوسيع قبول الدفع لدى التجار، وتخفيض الرسوم، وبناء قنوات تخدم الهواتف البسيطة والمناطق ضعيفة الاتصال.
يؤدي نظام المدفوعات المنظم إلى إبقاء جزء أكبر من الأموال داخل الجهاز المالي، ويمنح البنك المركزي قدرة أعلى على إدارة السيولة والمخاطر، ويوفر للحكومة رؤية أوضح لمواردها، ويخفض كلفة النشاط على الشركات والأسر، ويفتح بابًا أوسع للشمول المالي والائتمان.
الدولة التي تستطيع رؤية تدفق أموالها وتسوية التزاماتها في الوقت المناسب تملك قدرة أعلى على إدارة العملة والمالية العامة، والاقتصاد الذي يستطيع أفراده الدفع لأي طرف بأمان وكلفة منخفضة يختصر مسافة واسعة بين النقد المتداول والنشاط المنتج، ومن هنا يكتسب نظام المدفوعات موقعه في قلب مشروع التعافي الاقتصادي اليمني.



