مقالات رأي

«شؤون إيرانية» (العدد 59) “مسام ” مطاردة الموت تحت التراب لاستعادة الحياة

أحمد عباس

في عددها التاسع والخمسين، تدخل مجلة «شؤون إيرانية» منطقة تحريرية متقدمة تتجاوز القراءة السياسية التقليدية لتغوص في عمق المأساة الميدانية، إذ لم تعد متابعة الملف الإيراني مجرد تحليل للدبلوماسية أو التوازنات الإقليمية، بل أضحت مواجهة واضحة لآثار هذا المشروع على الأرض اليمنية. يقدم العدد، الصادر عن «مركز الخليج للدراسات الإيرانية»، ملفا صحفيا وتوثيقيا مكثفا يضع الإجرام الحوثي تحت مجهر العالم والحقيقة الحقوقية، ويركز بوضوح على الجريمة الأكثر امتدادا وإيلاما :
تلغيم الأرض وتدمير الحاضر والمستقبل.
ينطلق العدد من فكرة جوهرية تحكم بنيته التحريرية بالكامل، وهي أن الحرب لا تنتهي فور صمت المدافع أو توقيع الهدن، لأن أدوات الموت الشامل تظل مدفونة تحت التراب تنتظر الضحايا لسنوات طويلة. وهنا يتجلى التدمير الحوثي في أبشع صوره، فاللغم العشوائي الذي تزرعه الجماعة العشوائية بلا خرائط لا يستهدف خصما عسكريا في ميدان المعركة، بل يستهدف بنية المجتمع برمتها ويفرض حالة من الجمود الشامل على مقومات الحياة. إن الأرض الزراعية الملغمة تتحول إلى اقتصاد معطل، والطريق المغلق يتحول إلى عزل إنساني للمجتمعات المحلية، والمدارس المحاطة بالخطر تغدو حرمانا مباشرا لجيل كامل من حقه في التعليم، وبذلك تتحول جريمة التلغيم الحوثية من مجرد تكتيك عسكري إلى جريمة حرب موصوفة تسعى إلى مصادرة المستقبل اليمني ومنع أي أمل في الاستقرار أو التنمية أو إعادة الإعمار.
ولكي لا تظل هذه المأساة محصورة في الأرقام الإحصائية الباردة، يسلك العدد مسارا صحفيا ذكيا يربط بين التحليل الحقوقي والوجه الإنساني للضحايا. فهو يستند إلى التقارير الأممية والدولية ليؤكد البعد القانوني للجريمة، وفي الوقت نفسه يستعرض القصص الشخصية للناجين الذين فقدوا أطرافهم أو حياتهم، مما يمنح الملف كثافة عاطفية تجعل القارئ يدرك أن اللغم ليس مجرد مادة منفجرة، بل هو شبح يطارد الأبرياء ويقطع شريان الحياة عن القرى والمدن.
وفي مقابل هذه السردية المظلمة القائمة على التفجير والموت، يبرز مشروع (مسام)السعودي لنزع الألغام باعتباره البطل الميداني والحقيقي للعدد.
فالمشروع الذي انطلق تحت مظلة مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية لا يُقدم فقط من خلال أرقامه الكبيرة التي تجاوزت تطهير عشرات الملايين من أمتار الأراضي اليمنية ونزع مئات الآلاف من الألغام والعبوات غير المنفجرة، بل يُطرح باعتباره عملية تحرير فعلية للحياة واستعادة للأمان. ومن خلال البروفايل المهني والحوار المباشر مع مدير المشروع أسامة القصيبي، ينتقل العدد بالعمل الهندسي لنزع الألغام إلى مرتبة الرسالة الإنسانية، إذ يشرح حجم التحديات والمخاطر الميدانية الناجمة عن التعامل مع عبوات ناسفة مموهة جرى تطويرها لترويع المدنيين، مسلطا الضوء على التضحيات الجسيمة التي قدمها العاملون في الميدان لفتح الطرق أمام المدرسة والمزرعة والبيت.
تتحرك المواد الصحفية داخل العدد عبر مسار سردي محكم يبدأ من الجريمة ويدرس أبعادها الحقوقية والتاريخية، مرورا بالضحية والاستجابة الإنسانية، وصولا إلى الاعتراف الدولي والإقليمي بهذه الجهود. كما يمتد العدد إلى القراءة المعرفية الشاملة عبر تقديم كتب بحثية وتغطية النشاطات الإعلامية للمركز من بودكاست وإصدارات تحليلية، مما يكشف عن هوية المؤسسة الصادرة عنه، بكونها مؤسسة تتخذ موقفا استراتيجيا وأخلاقيا صريحا ضد المشروع التوسعي الإيراني وأدواته في المنطقة.
إن القيمة الإنسانية والصحفية لهذا العدد تتجسد في قدرته على تحويل موضوع تقني معقد كنزع الألغام إلى قصة إنسانية واستراتيجية كبرى قائمة على التضاد الحاد بين صناعة الموت وصناعة الحياة. إنه عدد لا يكتفي بإخبار القارئ بأن في اليمن ألغاما زرعتها مليشيا إرهابية لاتقيم وزنا لأي إعتبارات إنسانية أو أخلاقية بل يجعله يدرك أن الحرب قد تتوقف وتنتهي، لكنها تظل مستمرة تحت التراب ما لم تُنتزع أدوات الدمار لتستعيد الأرض وظيفتها الطبيعية في احتضان الإنسان الذي يعيش عليها لا أن تصبح فخاخا منصوبة في كل مكان .

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى