د. عبده سعيد المغلس
عضو مجلس الشورى
ربما لا يوجد اختبار عملي لفلسفة “العبرة بالنتائج” أوضح من الموقف من المبادرة الأردنية، التي قبلتها الحكومة اليمنية والتحالف الداعم لها، لحل معانات اليمنيين، وقضت بتسيير رحلات عبر طيران الملكية الأردنية بين صنعاء وعمّان، بما يخفف معاناة المرضى والطلاب والمسافرين، مع الحفاظ على الاختصاصات السيادية للدولة اليمنية وإدارة الرحلات ضمن الأطر القانونية المعترف بها دوليًا.
في ظاهر الأمر، تحقق المبادرة الهدف الذي يتاجر به ويحاول أن يبتز به العالم والذي تعلنه مليشيا الحوثي الإرهابية باستمرار، فتح المجال أمام المرضى والمواطنين للسفر، وتخفيف معاناتهم الإنسانية، ولو كان هذا هو الهدف الحقيقي للمليشيا، لكان قبولها بالمبادرة أمرًا بديهيًا، لأنها تحقق الغاية الإنسانية التي يرفعونها في خطابهم السياسي والإعلامي.
لكن ما حدث كان العكس تمامًا، رفض الحوثيون المبادرة.
وهنا ينبغي أن يتوقف كل يمني أمام معنى هذا الرفض: كانت هناك فرصة حقيقية لفتح طريق آمن للمرضى، ولإنهاء انتظار العالقين، ولتخفيف ألم الأسر التي أنهكها البحث عن العلاج والسفر، فوافقت الحكومة اليمنية وتحالف دعم الشرعية على المبادرة، بينما أغلقت المليشيا الباب؛ لأنها لم تكن ترى في المريض إنسانًا ينتظر النجاة، ولا في المسافر مواطنًا له حق في الحركة، بل كانت ترى في معاناتهما ورقةً للضغط والمساومة.
والحقيقة لم يكن هناك حصار على المواطنين، وكانت رحلات طيران اليمنية قائمة حتى صادرت مليشيا الإرهاب الحوثي أموالها واحتجزوا طائراتها.
إن ما تسميه المليشيا الإرهابية “كسر الحصار” ليس في حقيقته كسرًا لحصار مفروض على اليمنيين، وإنما محاولة لكسر القيود المفروضة على المشروع الإيراني وأداته الحوثية، وفتح منفذ سياسي وجوي يمنح الجماعة قدرةً أوسع على الحركة والاتصال وفرض الأمر الواقع. ولو كان اليمن وشعبه هما الغاية، لقبل الحوثيون بالمبادرة التي أوصلت المواطن إلى عمّان وفتحت له أبواب العلاج والسفر، لكنهم رفضوها لأن المواطن بالنسبة إليهم ليس غايةً تُصان، بل معاناةٌ تُستثمر، وصورةٌ تُستغل، وذريعةٌ تُرفع كلما أرادوا انتزاع مكسب جديد لإيران ومشروعها. وعلى اليمنيين أن يدركوا أن الجماعة التي ترفض حلًا يخفف آلامهم، لمجرد أنه لا يمنحها مكسبًا سياسيًا وسياديًا، لا تمثل معاناتهم ولا تدافع عن حقوقهم، بل تتاجر بأوجاعهم وتطيلها حتى تظل مادةً دائمة في خدمة مشروع لا يرى اليمن وطنًا، وإنما ساحةً، ولا يرى اليمنيين شعبًا، وإنما وقودًا وأوراق ضغط.
وهنا لم تعد القضية تحتمل كثيرًا من الجدل، لأن الرفض نقل النقاش من دائرة الشعارات إلى دائرة النتائج، فإذا كانت الحكومة قد وافقت على صيغة تحقق الغرض الإنساني وتحافظ في الوقت نفسه على سيادة الدولة، بينما رفضتها المليشيا، فإن السؤال الطبيعي يصبح:
ما الذي رفضه الحوثيون تحديدًا؟
هل رفضوا سفر المرضى؟
أم رفضوا تخفيف معاناة المواطنين؟
أم أنهم رفضوا فقط أن تتم هذه الرحلات تحت مظلة الدولة اليمنية ومؤسساتها الشرعية؟
هنا تتكشف الحقيقة.
فالمشكلة لم تكن في وجود الرحلات، وإنما في الجهة التي تديرها، وفي الإطار القانوني الذي تنطلق منه، وفي الرسالة السياسية التي تحملها.
كانت المليشيا تريد أن تنطلق الرحلات بطريقة توحي بأن صنعاء أصبحت تدير مجالها الجوي وعلاقاتها الخارجية بصورة مستقلة عن الدولة اليمنية، وأن تتعامل شركات الطيران والدول مع سلطاتها بوصفها المرجعية الفعلية للمطار، أما المبادرة الأردنية، فقد قطعت الطريق على هذا الهدف، إذ جمعت بين البعد الإنساني والالتزام بالقانون، فرفعت الحرج عن المجتمع الدولي، وحافظت على حق المواطنين في السفر، ومنعت في الوقت نفسه تحويل الرحلات إلى بوابة لانتزاع اعتراف تدريجي بسلطة موازية.
وهنا تتجلى دقة عبارة فخامة الرئيس الدكتور رشاد العليمي “العبرة بالنتائج وليس بالخطوات”.
فالخطوة التي قامت بها الحكومة كانت قبول المبادرة.
أما النتيجة، فقد كشفت أن الحكومة كانت تبحث عن مخرج إنساني لمواطنيها ويحفظ السيادة، بينما كانت المليشيا تبحث عن مكسب سيادي يتخفى خلف عنوان إنساني.
لقد سقطت هنا القراءة الحوثية الإيرانية التي حاولت اختزال القضية في شعار “رفع الحصار”، لأن المبادرة الأردنية أثبتت عمليًا أن الطريق إلى تخفيف معاناة المواطنين كان مفتوحًا، لكن الذي أغلقه هو الطرف الذي وجد أن المكسب السياسي أهم من المصلحة الإنسانية.
وهذا هو الفارق بين الدولة والمليشيا.
الدولة تنظر إلى الرحلات باعتبارها خدمة عامة ينبغي أن تقدم للمواطن في إطار القانون والسيادة.
أما المليشيا، فتنظر إليها باعتبارها وسيلة لإنتاج واقع سياسي جديد ينقل لها السلاح والخبراء من إيران، تتدرج المليشيا من خلاله من إدارة رحلة جوية إلى انتزاع اعتراف ضمني بسلطاتها، ثم إلى تكريس نفسها طرفًا يملك اختصاصات الدولة السيادية.
ومن هنا، لم تعد المبادرة الأردنية مجرد مبادرة إنسانية، بل أصبحت اختبارًا كشف حقيقة المقاصد، فحين توافرت الوسيلة التي تحقق الهدف الإنساني، ورفضتها المليشيا، أصبح الرفض نفسه دليلاً على أن القضية لم تكن يومًا قضية رحلات ورفع المعاناة، بل قضية سيادة وشرعية واعتراف سياسي.
وهكذا، مرة أخرى، لا تكون العبرة بالشعار الذي يُرفع، وإنما بالنتيجة التي تكشف حقيقة المقصد.
لماذا يرفض الحوثيون البدائل الإنسانية؟
السؤال الذي ينبغي أن تحمله البعثات الدبلوماسية إلى المجتمع الدولي ليس فقط: ما البدائل التي قدمتها الحكومة؟ بل أيضًا: لماذا ترفض المليشيا بدائل تحقق الغرض الإنساني المعلن؟
إذا كان المطلوب سفر المواطنين، فما المانع من قبول ترتيبات قانونية عبر شركات ومطارات ومسارات معترف بها؟
وإذا كان الهدف علاج المرضى وإعادة العالقين، فلماذا تصر الجماعة على صيغة تمنحها سلطة تتجاوز الحاجة الإنسانية؟
إن رفض الحلول العملية يكشف أن المطلب الإنساني ليس الغاية الوحيدة، بل الغطاء الذي يراد من خلاله تحقيق مكسب سياسي وسيادي. فالنتيجة التي تريدها المليشيا الحوثية الإرهابية ليست مجرد وصول المسافر إلى وجهته، وإنما أن تتم الرحلة بطريقة توحي بأن صنعاء باتت تدير علاقاتها الجوية والخارجية بمعزل عن الدولة.
وهنا يقع الفرق بين منهج الدولة ومنهج المليشيا: الدولة تقبل المبادرة الإنسانية وتحافظ على القانون، بينما تريد المليشيا أن تستخدم المعاناة الإنسانية لتعطيل القانون وانتزاع السيادة.
