مقالات رأي

أين تكمن الكارثة؟!

عبدالله إسماعيل

الجميع يلعن الإمامة، ويدين تاريخها الأسود، ويكتب عن جرائم كهنتها، وما ارتكبته بحق اليمنيين من قهر وتجهيل واستعباد، وما ألحقته باليمن من خراب طال الإنسان والأرض والهوية والتاريخ.

والجميع يقرّ بأن الحوثي هو الصورة الأكثر قبحاً ووحشية للإمامة، وأن من أراد أن يرى التخلف والجهل والقهر والاستبداد الإمامي، فها هو يراه اليوم واقعاً حياً في مناطق الاحتلال الحوثي.

لكن أين تبدأ المفارقة الكارثية؟

حين نسمي الإمامة باسمها الكامل: الإمامة الزيدية،
ونناقش أصولها العقدية، ومرتكزاتها الفكرية، ونظريتها في الحكم، واحتكارها للسلطة على أساس النسب والسلالة، وحين نربط بين جرائم الأئمة والأفكار التي منحتهم مشروعية ارتكابها، تتعالى الأصوات فجأة:

لا تكن طائفياً!

يا للعجب!

كيف تتفقون على إدانة الإمامة وجرائمها، ثم ترفضون تسمية الأساس الفكري الذي قامت عليه، والعقيدة التي استند إليها أئمتها، والنظرية التي جعلت الحكم حقا حصريا لسلالة ملعونة بعينها؟

كيف تلعنون النتائج وتتحاشون مناقشة الأسباب؟ وكيف تدينون الجرائم وتمنعون مساءلة الأفكار التي استُخدمت لتبريرها؟

هنا تكمن الكارثة الحقيقية.

هذا التناقض، وهذه السذاجة والذاكرة المثقوبة، وهذا التغافل المتكرر عن جذور الإمامة، من أهم أسباب استمرار المشروع الإمامي، وقدرته على العودة كلما ظن اليمنيون أنهم دفنوه إلى الأبد.

ففي كل مرة يسقط فيها إمام، تبقى الأفكار التي أنتجته بمنأى عن النقد والمساءلة، لتعيد إنتاج إمام آخر، باسم جديد، وبالشعارات ذاتها أو بشعارات مختلفة.

وكما يقول المثل: إذا رأيت كائناً يمشي كالبطة، ويصدر صوت البطة، ويتصرف كالبطة، فما الذي يمنعك من تسميته بطة؟

فإذا كانت الإمامة التي حكمت اليمن إمامة زيدية، وأئمتها يستندون إلى النظرية الزيدية في الحكم، وشرعية احتكارهم للسلطة مستمدة من أصولها، وتبريرات حروبهم وجرائمهم حاضرة في تراثها، فبأي منطق نفصل الإمامة عن الزيدية التي منحتها أساسها الفكري والعقدي؟

وإذا كان الحوثي يعيد إنتاج الإمامة السلالية، ويستند إلى الموروث الفكري ذاته في ادعاء الحق الإلهي بالحكم، فكيف نفهم مشروعه بمعزل عن جذوره؟ وكيف يستقيم لنا تبرأة الزيدية من جرائم الحوثية؟

إن مواجهة الإمامة تقتضي مواجهة النظرية التي تنتجها، ونقد الأصول التي تبرر احتكار الحكم بالسلالة، وتفكيك الأفكار التي تمنح الاستبداد قداسة دينية.

أما الاستمرار في إدانة الإمامة، مع تحريم البحث في جذورها الفكرية والعقدية، فهو إبقاء الباب مفتوحاً لعودتها، وإعادة إنتاج الكارثة التي يدفع اليمنيون ثمنها منذ قرون.

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى