اليمنُ حين تتحدّث بلسان المعرفة والتاريخ والتراث: الدكتور مقبل التام الأحمدي أنموذجًا

د. محمد السعيدي
——-
استمعتُ إلى الدكتور مقبل التام الأحمدي في بعض لقاءاته الإعلامية، في بودكاست «اليمن» وفي مقابلة على قناة العربية، فوجدت أنني أمام شخصية علمية يمنية مختلفة؛ رجلٍ لا يتحدث عن التراث من خارجه، بل يتحدث من داخله، وكأن اللغة والتاريخ والأدب قد أصبحت جزءًا من تكوينه الإنساني والفكري.
أكثر ما شدّني إليه لم يكن حجم المعلومات التي يملكها فقط، وهي تستحق الإعجاب، بل أيضا طريقته في الحديث؛ لغته الهادئة الرصينة، وسلاسة انتقاله بين الأدب والتاريخ والأنساب واللغة، و بصورة طبيعية بعيدة عن التكلف والاستعراض. كان واضحًا أن هذه اللغة ليست لغةً مكتسبة من القراءة السريعة أو الثقافة العامة، بل ثمرة عمرٍ طويل قضاه الرجل في مصاحبة التراث العربي واليمني منه خصوصا ومجالسة كتب الشعر العربي، حتى غدت العربية لغة حيّة ومفرداته راقية وجميلة.
ثم عدتُ أقرأ في سيرته العلمية، فوجدت وراء هذا التألق مشروعًا معرفيًّا حقيقيًّا، وعمرًا طويلًا في خدمة التراث العربي واليمني. فقد اشتغل الدكتور مقبل التام الأحمدي بتحقيق المخطوطات، ودراسة الشعر الجاهلي، والأنساب، والتاريخ اليمني، وأسهم في مشروعات علمية كبرى، من أبرزها مشاركته في معجم الدوحة التاريخي للغة العربية. وهذا النوع من الأعمال لا يقوم به إلا من يملك صبر الباحثين الحقيقيين، ومن يجد لذته في التنقيب داخل النصوص القديمة، واستخراج ما توارى فيها من المعاني والفوائد.
ولعل أكثر ما أثار اهتمامي في تجربته العلمية عنايته الكبيرة بتراث الحسن بن أحمد الهمداني، ذلك العالم الموسوعي الذي جمع بين التاريخ والجغرافيا واللغة والأنساب وأخبار القبائل، حتى غدا صورةً مكثفة لعبقرية اليمن العلمية والثقافية. ومن يطيل الصحبة مع الهمداني لا بد أن يتأثر بطريقته في النظر إلى المعرفة؛ لأن الهمداني لم يكن يرى العلوم جزرًا منفصلة، بل كان ينظر إلى التاريخ واللغة والإنسان والجغرافيا بوصفها بناءً واحدًا متصلًا.
وأحسب أن هذه المعايشة الطويلة لتراث الهمداني تركت أثرًا واضحًا في شخصية الدكتور مقبل التام الأحمدي؛ ففي حديثه تشعر بهذا النفس الموسوعي، وبهذا الربط العميق بين الأدب والتاريخ واللغة، وكأن الرجل يحمل شيئًا من روح ذلك التراث القديم في لغته وطريقته وأسلوبه.
وما يعجبني في هذه النماذج أنها تعيد إلى الأذهان صورة العالم العربي القديم؛ العالم الذي يجمع بين التحقيق واللغة والأدب والذوق، ولا يتحول إلى متخصصٍ جافٍّ منفصل عن روح الثقافة. ولهذا يبدو حضور الدكتور مقبل مختلفًا؛ لأنه لا يقدم معلومات فحسب، بل يقدم صورةً حيّة عن الامتداد العلمي والثقافي لليمن، تلك الأرض التي كانت عبر القرون منبعًا للعلماء واللغويين والمؤرخين والأدباء.
وفي زمنٍ أصبحت فيه المعرفة سريعةً ومختصرة، يبقى لأمثال هؤلاء قيمةٌ خاصة؛ لأنهم يذكّرون الناس بأن الثقافة الحقيقية ليست جمعًا للمعلومات، بل معايشةٌ طويلة تصنع طريقة الإنسان في الكلام والفهم والنظر إلى العالم.
ولهذا شعرتُ وأنا أستمع إليه أن اليمن لا تزال قادرةً على أن تتحدث بلسان المعرفة والتاريخ والتراث، وأن تُخرج رجالًا يحملون هذا الإرث العلمي بروحٍ صادقة، وحضورٍ أصيل، ووفاءٍ عميق لذاكرة الأمة الثقافية.
وفي ختام هذه الكلمات، وفي هذا اليوم يوم العيد المبارك، لا أملك إلا أن أرفع للدكتور مقبل التام الأحمدي، ولكل عالمٍ وباحثٍ ومحققٍ نذر عمره لخدمة التراث والمعرفة، أسمى عبارات التقدير والوفاء؛ فهؤلاء ليسوا حراسَ كتبٍ فحسب، بل حراسُ ذاكرةٍ، وحملةُ حضارةٍ، والساهرون على إبقاء الجسر ممتدًّا بين الأمة وميراثها العلمي والثقافي.
هؤلاء يؤدّون عملًا جليلًا لا يعرف قدره إلا من أدرك قيمة العلم، ومعنى أن تبقى الأمم حيّةً بتراثها ولسانها ووعيها بتاريخها.
فشكرًا لكل يدٍ أزاحت الغبار عن كتاب، ولكل عقلٍ أحيا نصًّا، ولكل روحٍ أخلصت للعلم بعيدًا عن ضجيج الشهرة وعابر الأضواء. وشكرًا للدكتور مقبل التام الأحمدي على هذا الحضور العلمي الرفيع، وعلى هذه الصورة المشرقة للباحث العربي اليمني الذي جمع بين التحقيق واللغة والأدب والذوق.
عيدكم مبارك، يا أهل العلم والمعرفة، ودامت آثاركم شاهدةً لكم، باقيةً في ذاكرة الثقافة العربية ما بقي للعلم طلاب، وللكلمة المخلصة أثرٌ وامتداد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.



