مقالات رأي

‏القبيلة.. معقِد الرهان

عادل الأحمدي

بدايةً، أرى أن من الخطأ تقسيم المجتمع اليمني إلى قبائل وغير قبائل؛ لأن المجتمع اليمني كله قبائل، لكن التسمية اصطلح على استخدامها سياسياً وإعلامياً ليُقصد بها المناطق التي لاتزال لديها تكوين قبلي عشائري معتبر بهياكله وشخوصه وأعرافه ونطاقه الجغرافي.

ونحن هنا سنضطر لاعتماد الاصطلاح الإعلامي للحديث عن القبيلة، أي سكان الريف بتشكيلاتهم وأفخاذهم وبطونهم ومشائخهم، وللأسف فقد اعتمدت بعض الدراسات الأكاديمية وبعض الأدبيات الحزبية النظر إلى القبيلة بوصفها عاملاً من عوامل التخلف في اليمن. وعادة ما كان يتم إيرادها كمكون يقع على النقيض من التمدّن وسيادة النظام والقانون. وهذا أمر ليس دقيقاً إذ القبيلة بذاتها، شكل نظامي لنطاق مجتمعي، بإمكانه أن يكون عامل تخلف مثلما بإمكانه أن يكون أسرع من غيره في صنع التحولات الوطنية الكبرى نتيجة احتفاظه بمقومات الاحتشاد والانتظام والنجدة والاحتكام إلى رأي القيادة الواحدة.

من هنا تأتي أهمية القبيلة اليوم، واليمن يواجه محاولة شعواء من قِبل فلول الإمامة، ممثلة بالحوثية، للسيطرة على حياة اليمنيين من جديد واستذلالهم واستعبادهم وامتصاص خيراتهم.

وقد استغلت فلول الإمامة العديد من الشقوق الموجودة في الخطاب السياسي والإعلامي تجاه القبيلة، وكذلك عملت على تهييج خلافات القبائل فيما بينها، لتجد من داخل بعض النسيج القبلي، مقاتلين يرخصون أرواحهم في سبيل العبودية. وبالتالي تم نقل صورة أو تعميم انطباعي عن أن مناطق القبائل تهاونت مع المشروع الإمامي الكهنوتي الجديد، وهذا تعميم جائر تكذّبه الشواهد، حتى مع وجود الملابسات التي استغلتها المليشيات لكسب هذا الشيخ على حساب ذلك الشيخ.

قبل ذلك، قامت فلول الإمامة بغرس الدسائس فيما بين القبائل، وبين فخوذ وبطون كل قبيلة على حدة، واستنفدت جاهزية القبائل في الصراعات البينية، كما قامت بغرس ثقافة تحول دون ارتياد الكثير من أبناء القبائل سلالم الترقي ووسائل التطور المتمثلة في التعليم وحيازة المال والاطلاع على معطيات الحضارة المعاصرة.

الإمامة في حقيقة الأمر، هي مشروع مدمر للمجتمع ككل والقبيلة مكون أصيل فيه، وهذا ما أدركته طلائع الأحرار اليمنيين منذ بدايات القرن الماضي. لهذا كانت القبيلة إجمالاً سنداً وعوناً لكل محاولات التحرر وصولا الى الثورة السبتمبرية الخالدة، وقدمت قوافل من الشهداء إلى الحد الذي دفع أحد الأكاديميين العكفة إلى وصف ثورة 26 سبتمبر 1962 بأنها “ثورة القبيلة على الإمامة”.

فمن محمد بن عائض العقاب إلى علي بن ناصر القردعي، إلى يحيى منصر ومحمد سعيد مقبول وأحمد فتيني جنيد، إلى أحمد دويد، إلى حسن الدعيس، وحسين بن ناصر الأحمر إلى أحمد علي المطري إلى علي بن ناجي القوسي، إلى سالم عبدالقوي الحميقاني، أحمد عبدربه العواضي وحمود الجائفي وسنان أبولحوم إلى راجح بن قاسم لبوزة، إلى مجاهد أبوشوارب إلى صالح المقالح وأحمد محمد النعمان، حسين فايد مجلي، محمد علي عثمان، ونعمان قائد بن راجح، الباشا بن زبع، عبدالله أحمد قائد الجبري، ناجي الشايف، محمد مصلح عبدالرب، عارف الزوكا، ناجي جمعان.. والقائمة تطول وتطول، لأقيال كبار ورموز سبتمبريين هم في الأساس قادة قبليون عندما نهضوا نهضت معهم قبائلهم. وهنا تأتي أهمية القبيلة في الوقت الحاضر ودينامية زعمائها.

ويجدر التأكيد على أن الآلة الدعائية الإمامية التي كانت مبثوثة في الأحزاب والجامعات والإعلام عمدت طيلة عقود، على تحطيم سلطة المشيخ وتشويه صورة القبائل والمشائخ، وصناعة المشاكل بين القبيلة والدولة، وكذا سعت لإشعال الاحتقان بين أبناء القبيلة الواحدة، بحيث تأتي هي في نهاية المطاف وتقدم أصنامها السلاليين بديلاً عن هؤلاء القادة الاجتماعيين. ولقد تهاون للأسف مع هذا المشروع بعض المشائخ الذين لم يكونوا على إلمام كافٍ بأساليب الإمامة، وليس لديهم القيم المحرضة على الجسارة في سبيل الصالح العام والقيمة الوطنية.

ولا مناص من الاعتراف أن القصور في فهم الإمامة وأساليبها لم يكن حكراً على بعض المشائخ، بل كان سمة اشترك فيها سياسيون وقادة حزبيون وأكاديميون، وبالتالي استطاعت جحافل المحاولة الإمامية الأخيرة أن تباغت الجميع وهي على أسوار صنعاء. لقد كان الوعي السبتمبري غائبا ومغيبا لدى الجميع على اختلاف مواطن النشأة ودرجات التعليم.

والآن، ونحن بصدد استعادة ما تم انتزاعه منا على حين غفلة، ينبغي أن نعيد لجميع مكونات المجتمع اليمني اعتبارها، وينبغي أن يكون هناك برنامج واضح يعيد لوجهاء وأفراد القبائل دورهم الحاسم في استعادة الدولة والجمهورية والكرامة. وبعد ذلك يمكننا التفرغ لإعادة هندسة النسيج المجتمعي وجدانيا وحضاريا بكيفيات تضمن تحقيق الذات الوطنية المنتِجة والمتناغمة، وتعيد تأهيل كافة الشرائح وتحصّنها من الوقوع مجدداً في حبائل الكهنة.

‎#مطارح_الريان

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى