مقالات رأي

حكومة الزنداني… مقومات النجاح ومسئولية المرحلة

فهمي باضاوي

تقف حكومة الزنداني اليوم أمام لحظة مفصلية في تاريخ الدولة اليمنية. فليست كل الحكومات تتاح لها ظروف سياسية واقتصادية وإقليمية مهيأة كما هو الحال اليوم. إنها فرصة تاريخية قد تشكّل نقطة تحول حقيقية في مسار الدولة، اقتصادياً ومؤسسياً، بل وحتى في معركة استعادة العاصمة وإنهاء حالة الانقسام، سواء عبر المسار العسكري أو السياسي.
السؤال الجوهري هل تتوفر عوامل النجاح؟
و كيف يمكن استثمارها وتحويلها إلى نجاح مستدام؟
فرص مهيأة للنجاح

أولاً، جاءت الحكومة بعد خطوات إصلاح اقتصادي شهدتها المحافظات المحررة، أسهمت في تعزيز قيمة الريال اليمني أمام العملات الأجنبية، وأعادت قدراً من الثقة بالسياسة النقدية. هذا التحسن يمثل قاعدة صلبة يمكن البناء عليها إذا ما استمر الانضباط المالي والنقدي.

ثانياً: حظيت الحكومة بدعم مباشر والتزام واضح من المملكة العربية السعودية، سواء عبر المنحة المخصصة لدفع مرتبات القطاعين المدني والعسكري، أو من خلال دعم مسار الإصلاحات المالية والإدارية، وإعادة هيكلة القطاع العسكري. هذا الدعم لا يمثل مجرد مساعدة مالية، بل مظلة سياسية واقتصادية تعزز الاستقرار وتمنح الحكومة مساحة للتحرك بثقة.
ثالثاً : منحة وقود الكهرباء لمدة عام تمثل خطوة استراتيجية لوقف النزيف المزمن في العملة الصعبة، الذي كان يستنزف الاحتياطي النقدي. استقرار التيار الكهربائي لا يعني فقط خدمة أفضل للمواطن، بل ينعكس مباشرة على استقرار سعر الصرف، وتحسين بيئة الاستثمار، وتنشيط الاقتصاد المحلي.
رابعاً : التدخلات التنموية التي أعلن عنها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في مختلف القطاعات الخدمية تمثل دعماً تنموياً نوعياً، يعزز البنية التحتية ويعيد تحريك عجلة التنمية في قطاعات الصحة والتعليم والمياه والطرق.
خامساً : الإجماع الوطني داخل مجلس القيادة الرئاسي على دعم الحكومة وتمكينها من أداء مهامها يشكل عاملاً سياسياً بالغ الأهمية. فالتوافق السياسي هو صمام أمان لأي مشروع إصلاحي، وبدونه تتآكل الجهود مهما كانت الموارد متاحة.

الأولوية كيف ينتقل برنامج عمل الحكومة من الإسعاف إلى التأسيس.

غير أن توافر الفرص لا يعني ضمان النجاح. العامل الحاسم يتمثل في قدرة الحكومة على تحويل الدعم الخارجي إلى إصلاح مؤسسي دائم، لا إلى حلول إسعافية مؤقتة وهذا يتتطلب عدة خطوات عملية.

أولاً : المحافظة على تثبيت الاستقرار الاقتصادي والنقدي يجب أن يظل في صدارة

ثانياً : الأولويات في ضبط سوق الصرف، و تفعيل أدوات البنك المركزي و مؤسسات الدولة الإيرادية لتحسين تحصيل الإيرادات، وبناء احتياطي نقدي مستدام يقلل الاعتماد على المنح.
ثالثاً : إصلاح قطاع الكهرباء يجب أن يتجاوز توفير الوقود إلى إصلاح المنظومة ذاتها: تقليل الفاقد، تحسين التحصيل، إدخال القطاع الخاص بشفافية، ووضع خطة انتقال تدريجي للطاقة البديلة. فاستدامة الخدمة أهم من توفيرها المؤقت.
رابعاً : إعادة ثقة المؤسسة العسكرية والأمنية ومهامها في الحفاظ على مكتسبات الشعب الوطنية وهذا يمثل شرطاً للاستقرار السياسي والاقتصادي معاًوضبط الإنفاق عليهما كلها خطوات تعزز هيبة الدولة.

خامساً : مكافحة الفساد وبناء الثقة الشعبية ضرورة لا تحتمل التأجيل. الشفافية في إدارة المنح، نشر التقارير المالية، وتفعيل الأجهزة الرقابية، تمثل حجر الزاوية في ترسيخ شرعية الأداء الحكومي.
سادسا : تحسين الخدمات الأساسية بسرعة سيحدد المزاج الشعبي تجاه الحكومة. انتظام الرواتب، استقرار الكهرباء، وتحسن الخدمات الصحية والتعليمية هي مؤشرات ملموسة يقيس بها المواطن جدية أي إصلاح.
الاستدامة… هي التحدي الأكبر أمام الحكومه
وهي جداره في تحقيق ذلك وضمان استدامته لذا فإن تجاح الحكومة لن يُقاس بحجم المنح التي حصلت عليها، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية قادرة على الاستمرار بعد انتهاء الدعم. إذا تحولت هذه المرحلة إلى تأسيس لنظام مالي منضبط، وقطاع خدمات مستدام، وجيش وطني موحد، فإن اليمن سيكون قد انتقل من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء الدولة.
إن الفرصة متاحة، وعوامل النجاح مهيأة، لكن التاريخ لا ينتظر طويلاً. ما بين لحظة الدعم ولحظة التأسيس مساحة عمل شاق، وإرادة سياسية، وقرار إصلاحي جريء. وهنا فقط يُصنع الفارق بين حكومة عابرة وحكومة تؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ الوطن.

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى