اليمنيون أولى بمحاسبة أنفسهم قبل البحث عن شماعة

كتب: المستشار / فراس اليافعي
في كل مرة تتعقد فيها الأزمة اليمنية، تتعالى أصوات تبحث عن طرف خارجي تحمله مسؤولية كل ما يحدث، وكأن اليمنيين لم يكونوا يومًا جزءًا من المشهد، وكأن أخطاء الداخل وقراراته وانقساماته لا علاقة لها بما وصلت إليه البلاد.
والحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح، بعيدًا عن المزايدات السياسية، هي أن اليمن بحاجة اليوم إلى شجاعة الاعتراف بالمسؤولية، أكثر من حاجته إلى صناعة شماعات جديدة.
منذ عقود، كانت المملكة العربية السعودية ولا تزال سندًا لليمن وشريكًا حاضرًا في مختلف الظروف، في أوقات الاستقرار كما في الأزمات والحروب. ولذلك لم يكن وصف اليمنيين لها بـ«الشقيقة الكبرى» وليد اللحظة، بل جاء انعكاسًا لعلاقات تاريخية وجغرافية واجتماعية عميقة، ومصالح ومصير مشتركين بين بلدين جارين.
ولم يكن الدعم السعودي لليمن مجرد مواقف سياسية أو شعارات، بل امتد لسنوات طويلة وشمل الاقتصاد والتنمية والصحة والتعليم والكهرباء والإغاثة والمساعدات الإنسانية، فضلًا عن دعم الاقتصاد اليمني والعملة في مراحل بالغة الصعوبة.
وفي عام 2011، ومع تصاعد الاضطرابات والتحولات التي شهدتها المنطقة، احتضنت الرياض المبادرة الخليجية، وسعت إلى جمع الأطراف اليمنية على طاولة واحدة، بهدف تجنيب البلاد الانزلاق إلى حرب أهلية، ووفرت إطارًا للانتقال السياسي قائمًا على مبدأ «لا غالب ولا مغلوب».
وبعد الانتقال السياسي، استمرت المملكة في تقديم الدعم الاقتصادي والإنمائي لليمن، عبر الودائع والمساعدات والمنح والمشروعات التنموية، في محاولة للتخفيف من آثار الأزمة ومنع الانهيار الاقتصادي الذي كان يهدد حياة ملايين اليمنيين.
ثم جاءت اللحظة الأخطر مع انقلاب مليشيا الحوثي على الدولة، وسيطرتها على مؤسساتها ومدنها، وتهديدها لأمن اليمن والمنطقة. وفي تلك المرحلة لم تقف السعودية متفرجة، بل استجابت لطلب القيادة اليمنية، وقادت تحالفًا عربيًا لمساندة الشرعية ومواجهة الانقلاب، وتحملت في سبيل ذلك أعباء بشرية وعسكرية واقتصادية وسياسية كبيرة.
ولم يقتصر الدور السعودي على الجانب العسكري، بل تواصل الدعم الإنساني والإغاثي والاقتصادي والتنموي، إلى جانب دعم مسارات الحل السياسي، واستضافة الرياض حوارات واتفاقات بين اليمنيين، والمساهمة في جهود التهدئة والتوافق، فضلًا عن مشروعات تنموية وإعمارية واسعة.
هذه حقائق لا ينبغي أن تمحوها الخلافات السياسية، ولا أن تختزلها بعض الأصوات في رواية واحدة تخدم موقفًا سياسيًا عابرًا.
لكن الإنصاف يقتضي أن نقول الحقيقة كاملة: منذ انقلاب الحوثي وحتى اليوم، كان اليمنيون هم من دفع الثمن الأكبر، والمسؤولية الأولى عن واقع اليمن تقع على عاتق اليمنيين أنفسهم.
قيادةً وأحزابًا وقوى سياسية وعسكرية ومجتمعية، علينا أن نسأل أنفسنا قبل أن نسأل الآخرين: أين أخطأنا؟ لماذا فشلنا؟ من اتخذ القرارات الخاطئة؟ لماذا عجزنا عن توحيد صفوفنا؟ ولماذا طال أمد الانقسام بينما لا يزال مشروع استعادة الدولة متعثرًا؟
ليس من المنطقي أن تكون السعودية مسؤولة عن كل نجاح، ثم تصبح وحدها مسؤولة عن كل فشل.
وإذا كانت المملكة قد دعمت اليمن اقتصاديًا وتنمويًا وسياسيًا، ووقفت إلى جانب الشرعية عند وقوع الانقلاب، وقدمت الإغاثة والمساعدات، وتحملت أعباء الحرب، وسعت إلى جمع اليمنيين على طاولة الحوار، فإن من الإنصاف أن نعترف أيضًا بأن اليمنيين يتحملون مسؤولية أساسية عن إدارة قضيتهم، وعن أخطائهم وقراراتهم وإخفاقاتهم.
نعم، المملكة دولة لها مصالحها وحساباتها، وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، لكن وجود المصالح لا يلغي حقيقة الدعم الذي قدمته لليمن في محطات مفصلية، ولا يبرر تحميلها مسؤولية كل ما عجز اليمنيون عن إنجازه.
اليمن لن يخرج من أزمته بالبحث الدائم عن شماعات خارجية.
لن تُستعاد الدولة بتبادل الاتهامات، ولن يُبنى السلام بتحميل الآخرين وحدهم مسؤولية أخطائنا، ولن يُصلح الاقتصاد خطاب المظلومية.
الطريق يبدأ من الداخل: بالاعتراف بالأخطاء، ومراجعة القرارات، وتوحيد الصف، وترتيب الأولويات، وتحمل المسؤولية الوطنية.
ومن يريد محاسبة الآخرين، فليبدأ بمحاسبة نفسه. ومن يريد إنقاذ اليمن، فعليه أن يدرك أن مستقبل هذا البلد لن يصنعه الآخرون نيابةً عن أبنائه.
تبقى مواقف الأشقاء في المملكة محل تقدير لدى كثير من اليمنيين، ويبقى الوفاء للمواقف النبيلة قيمة لا تسقط بتغير الظروف السياسية.
فاليمن لا يحتاج اليوم إلى مزيد من المزايدات، ولا إلى شماعات جديدة، بل يحتاج إلى رجال وقيادات تتحمل المسؤولية، وتراجع الأخطاء، وتضع مصلحة الوطن فوق الحسابات والمصالح الضيقة.
اليمن بحاجة إلى من يتحمل المسؤولية… لا إلى من يبحث عن شماعة.



