مقالات رأي

عندما يشكّل العقل هوية خاصة مرضيّة ليهرب من ألم الواقع وقسوته (سيكولوجية الإنسان المقهور)

الدكتورة الفت الدبعي
—————————
أبدأ هذه المقالة بحالة عايشتها في تسعينات القرن العشرين، وحالة أخرى قبل شهرين من اليوم.
الحالة الأولى كانت عندما زرتُ الأخت الدكتورة فتحية السروري، التي كانت أخصائية نفسية واجتماعية في مستشفى الأمراض النفسية في عدن. كنت حينها مهتمة بعلم النفس الاجتماعي، فأخذتني إلى أحد عنابر المستشفى، وعرّفتني على حالة لامرأة يمنية أمية كانت تتحدث اللغة الإنجليزية بطلاقة عجيبة. وقالت لي يومها: «سوف تستغربين لو قلتُ لك إن هذه المرأة لم تدرس في أي مدرسة، ولم تتعلم اللغة الإنجليزية، ولم تسافر إلى أي دولة أجنبية حتى نقول إنها اكتسبت اللغة من بيئة خارجية». ومع ذلك، كما لاحظتُ، كانت تتحدث الإنجليزية كأنها لغتها الأم. جلست الدكتورة تشرح لي يومها عن مرض نفسي نادر يثير دهشة كل من حول المريض، وكيف استطاع العقل في هذه الحالة أن ينتج مهارة لغوية كاملة دون تعليم أو بيئة مساعدة.

أما الحالة الثانية التي مررتُ بها كانت قبل شهرين في الرياض، عندما التقيتُ بشخص يمني في منتهى الأناقة والاهتمام، وكان يقول إنه يحمل شهادة دكتوراه. تحدث معي بطلاقة وثقافة، وعرض أفكارًا ومشاريع وخططًا لإنقاذ الوضع في اليمن، وانتقد السياسات الحالية، مؤكّدًا أن لديه رؤى تنموية قادرة على إحداث تغيير حقيقي. من فرط ذكائه، وثقته بنفسه، وأدبه، وحماسته، لم يخطر ببالي لحظة أنه قد يكون مصابًا باضطراب نفسي نادر. لكن فجأة، وعندما عرضتُ عليه أن يكتب مقترحاته ويرسلها لقيادات الدولة، ردّ عليّ قائلًا: «أنا لا أحتاج الحكومة ولا الدولة لتنفيذ مشاريعي… أنا قريبًا سوف أخطب بنت الأمير (…)، وسنتزوج قريبًا، والأمير (…)، وعدني بدعم كل مشاريعي في اليمن».
في تلك اللحظة، لم أشأ أن أستنكِر كلامه مباشرة، لكنني بدأت أطرح عليه أسئلة بسيطة: كيف تعرّفت على بنت الأمير؟ وهل يمكن أن أعرفها؟ وطلبتُ منه مؤشرات تُثبت روايته. ثم سألته سؤالًا مباشرًا: بما أنك على تواصل دائم معها، افتح هاتفك الآن وأرِني رقمها أو حسابها في الواتس آب. عندها عمّ صمت ثقيل، صمتٌ مشبع بحزن عميق، وتلاشت فجأة كل مظاهر الثقة التي كان يتحدث بها، وارتسم على وجهه انكسار مؤلم. تركته وأنا أشعر بحزن شديد، لأني كنت أعرف هذا النوع من الاضطرابات، وكيف يذهب الإنسان أحيانًا إلى تقمّص دور أو مكانة خيالية ليهرب من واقعه ومن مشاعر الألم والتهميش التي يعيشها في المجتمع.
هذه الحالات يصفها الطب النفسي بأنها آليات حماية دفاعية نفسية للذات المقهورة، خصوصًا عندما يمتلك الشخص قدرات ومؤهلات، لكنه يجد نفسه في واقع يقهره ويهمشه أو يستبدّ به، أو عندما يتعرض لصدمة أو قهر كبير فيلجأ العقل، لا شعوريًا، إلى تقمّص فكرة أنه ابن زعيم، أو أنه سيتزوج من ابنة زعيم، بوصفها حماية نفسية وهروبًا من الإحساس بالعجز والقهر وقسوة الواقع الذي لا يجد فيه فرصًا أو اعترافًا.
ومن زاوية أوسع، لا يمكن فصل هذه الآليات النفسية الفردية عن السلوك الجمعي في المجتمعات المقهورة؛ فكما يبتكر العقل الفردي هوية متخيلة أو دورًا تعويضيًا يحمي صاحبه من الانهيار أمام واقع قاسٍ، قد يلجأ المجتمع بأكمله إلى آليات دفاع مشابهة، تتمثل في التعلّق بقصص رمزية، أو قضايا فردية، أو موجات انفعال جماعي تمنحه شعورًا مؤقتًا بالمعنى والكرامة والمشاركة. هذا السلوك لا يعكس بالضرورة سطحية أو تفاهة، بل يكشف عن انسداد قنوات العدالة والتمثيل، حيث يصبح التعبير العاطفي بديلاً عن الفعل السياسي، والضجيج تعويضًا عن غياب الدولة القادرة على حماية الإنسان وحقوقه، فيتحول الهروب النفسي من حالة فردية معزولة إلى ظاهرة اجتماعية أوسع أنتجها القهر ذاته.
من المهم أن ندرك أن العقل البشري يمثل نظامًا دفاعيًا معقدًا للغاية، وقد صُمّم لحماية الذات الإنسانية من الانهيار عند مواجهة صدمات أو واقع معيشي يفوق القدرة على التحمل النفسي. لذلك فإن الطب النفسي لا يصنّف الادعاءات الغريبة التي يطلقها بعض الأفراد حول نسبهم لشخصيات نافذة أو علاقتهم بها على أنها «أكاذيب متعمدة» بغرض الخداع، بل يدرسها كأعراض عيادية حادة تعكس آلية دفاعية لا واعية. فالشخص المصاب بهذه الحالة يكون صادقًا ومؤمنًا تمامًا بالفكرة التي يتقمصها، ولا يجدي معه الجدل المنطقي، لأن الخلل غالبًا يكون كيميائيًا في الدماغ، ويتطلب تدخل طبيب نفسي مختص لتقييم الحالة ووصف العلاج المناسب، ومساعدة المريض على العودة إلى توازنه النفسي.
وفي تصوري، هناك الكثير من الحالات المرضية في مجتمعنا، ويقف خلفها سبب رئيسي يتمثل في القهر الناتج عن أنماط الاستبداد الاجتماعي وغياب العدالة. هذا الواقع لا يدمّر الاقتصاد والسياسة فحسب، بل يترك أثرًا عميقًا في الصحة النفسية للأفراد والجماعات. ومن هنا، فإن تحطيم أشكال الاستبداد والقهر الاجتماعي، والتركيز على بناء دولة المواطنة المتساوية وسيادة القانون، ليس فقط مشروعًا سياسيًا، بل هو أحد أهم شروط التعافي النفسي والاجتماعي لمجتمعنا بأكمله.

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى