قراءة تاريخ الزيدية… سلاح اليمني لهزيمة حاضرها

عبدالله اسماعيل
حين يقرأ اليمني تاريخ الإمامة الزيدية قراءة واعية، فإنه لا يطالع أحداثا من الماضي بقدر ما يستعيد خريطة صراع ممتدة، تكشف له كيف تشكلت معارك الهوية والسيادة، وكيف واجه اليمنيون عبر قرون طويلة دويلات الإمامة الزيدية التي قامت على فكرة العنصرية السلالية، وخرافات الولاية، واحتكار الحكم.
هذه القراءة تعيد ترتيب الوعي، وتضع الحاضر في سياقه الطبيعي، بوصفه امتدادا لصراع قديم يتجدد بأدوات مختلفة.
التاريخ اليمني لا يقدم سردية خضوع، بل يعرض سلسلة متصلة من المواجهة، فكل مرحلة شهدت مقاومة، وكل محاولة زيدية فرضت نفسها بالقوة واجهها اليمنيون بالرفض، حتى سقطت تلك الدويلات مرارا، كنتيجة طبيعية لتناقضها مع المجتمع، وعجزها عن بناء دولة عادلة أو مستقرة.
في المقابل، يدرك اليمني الفرق الجوهري بين تلك الدويلات الزيدية وما بناه اليمنيون من دول قوية وراسخة، قدمت نماذج في الحكم والإدارة والازدهار، وأثبتت أن اليمني قادر على إنتاج مشروعه الوطني حين يتحرر من سلطة الكهنوت الزيدي وحامله السلالي.
القراءة الواعية لتاريخ الصراع، تمنح اليمني اليوم أدوات الصمود، حين يرى أن الإمامة لم تستقر يوما، وأنها واجهت رفضا مستمرا، فتتراجع مشاعر الإحباط التي قد تفرضها لحظة السيطرة الحوثية، ليصل إلى قناعة لا تقبل التشكيك مختصرها: أن ما يجري اليوم ليس قدرا نهائيا، بل حلقة في سلسلة صراع طويلة، ما يفتح أفقا مختلفا للتفكير، ويعيد الثقة بإمكانية التغيير.
كما أن معرفة التاريخ تكشف نمطا متكررا في السلوك الإمامي، فالجرائم التي ترتكبها الإمامة الزيدية اليوم ليست جديدة، بل لها جذور واضحة في ممارسات الأئمة عبر التاريخ: من التكفير، إلى الإقصاء، إلى نهب الموارد، إلى إخضاع المجتمع بالقوة.
هذا الامتداد التاريخي يسقط أي محاولة لتجميل الواقع أو تقديمه كحالة دائمة تفرضها قوة تبدو غير قابلة للهزيمة، ويؤكد أن النهاية التي انتهت إليها تلك الدويلات الزيدية في الماضي هي النتيجة المنطقية والحتمية لسقوطها في الحاضر.
ومن أهم ما تمنحه هذه القراءة أنها توقظ الذاكرة الجمعية، حين يستحضر اليمني تجارب النضال التي خاضها أجداده، من العلماء والمصلحين إلى القبائل والمقاتلين، ليستعيد روحا تاريخية قائمة على الرفض والمقاومة، لتمثل طاقة معنوية هائلة، تعيد تعريف الذات، وتربط الحاضر بجذور عميقة من الكفاح.
كما تسهم القراءة الواعية لتاريخ المواجهة اليمنية الزيدية، في تفكيك الخرافات التي روجها كهنة الزيدية، وساهم التراث السني في تكريسها عبر عقود من التيه والخديعة، ومنها فكرة أن الزيدية قريبة من السنة، أو الترويج لخرافة التعايش الزيدي مع اليمنيين، أو الزعم بأن الأئمة حكموا اليمن قرونا متصلة، وهي جميعا تصورات تنسفها الوقائع التاريخية، التي تكشف انهيار مراكز الحكم الزيدي، وقصر فترات السيطرة ومحدوديتها، وتكرار الانقسامات داخل البيت السلالي، وتظهر أن اليمن ظل في حالة رفض دائم لهذا النموذج الكهنوتي.
أهمية قراءة التاريخ لا تتوقف عند استحضار الماضي، بل تمتد إلى بناء وعي سياسي ومعرفي في الحاضر، فالوعي التاريخي يساعد على فهم آليات السيطرة، وأساليب الخطاب، وكيف تعيد الزيدية إنتاج الأفكار القديمة بصيغ حديثة، وعلى فهم عميق لسبل مواجهتها، كما يساهم في تحصين المجتمع من الدعاية، ويمنح الأفراد القدرة على التمييز بين المشروع الوطني والمشروع السلالي.
وفي مستوى أعمق، تفتح هذه القراءة المجال لإعادة تعريف الهوية اليمنية على أساسها الحقيقي: هوية ضاربة في الجذور، قائمة على الإرث الحضاري والعمل والإنتاج، لا على النسب والاصطفاء، وهو الفهم الذي يعيد الاعتبار لفكرة الدولة، ويضعها في مواجهة أي مشروع يقوم على خرافات الزيدية، ويؤسس لتجريمها كشرط ضروري لوقف دورة العنف وإنهاء التغريبة اليمانية ورسم المستقبل.
إن معركة اليمنيين اليوم ليست عسكرية فقط، بل معركة وعي في جوهرها، وكلما تعمقت قراءة التاريخ، واتسعت دائرة الفهم، أصبح المجتمع أكثر قدرة على الصمود، وأكثر وعيا بمسار الصراع، وأقرب إلى استعادة دولته، فالتاريخ هنا لا يؤدي وظيفة التذكير، بل يتحول إلى أداة تحرير، تفضح الزيف، وتكشف الحقيقة، وتمنح اليمني يقينا راسخا بأن ما أسقطه في الماضي يمكنه حتما إسقاطه في الحاضر ومنعه من العودة من جديد.


