تعقيب آخر على الرجل الرمادي !

سام الغباري
اتكأ حكيم تجاوز عمره الثمانين، وكنتُ أُسمّيه: جدّي. قال لي يومًا: يا بُني، لا تكن رماديًّا؛ فذلك لون باهت، خفّفه الصائغون ليبدو مقبولًا في وعي الناس، وهو – في حقيقته – قناع مُلطّف لاسم صريح وصف الله به: المنافقين.
ورفع جدّي – رحمه الله – سبابته، حين علم بانخراطي في مجال الكتابة، قائلًا ومحذّرًا: إن الشعراء والكُتّاب، وكلَّ ممتهني الكلمة، هم – على الحقيقة – ورثة الرسالات؛ فما الهداية إن لم تكن كلمات؟ وما الكتب المقدسة إلا أسفار وسور ومجلدات عامرة بعظات الله عز وجل. الاستغفار كلمة، والتوبة كلمة، والتوحيد كلمة، والأخلاق كلمة؛ والكلمة – إن صدقت – كانت نورًا، وإن زلّت كانت ظلامًا. فلا تسمح – على الإطلاق – للرماديين أن يزجّوا بك، وبدارك، وأهلك، وقوات بلادك المسلحة، في مربع “ثقافة الهزيمة”.
ولمّا رأى الدهشة بادية في وجه فتى المدينة، المندهش على الدوام، أردف قائلًا: الرزق والأجل أمران استأثر الله بهما، فلا تُذِلّ نفسك، ولا تستسلم لحصار الحياة، فتكتب ما يُلصقك بالجدار – كما يقولون – طلبًا لسلامة زائفة. فإن للفرج بابًا واسعًا، فالتَمِسْه، وستجده مُشرِقًا لمن صدق. وإذا كتبتَ، فاجعل الله أمام ناظريك، ولا تكن رماديًّا. وإذا غضبت واشتدّ بك الانفعال، فليكن قصدُك نقدَ الخطأ لا خدمة العدو، وعاتِبْ بالتي هي أحسن، ولا تدع الغضب يجرّك إلى كلمات تُقوّي عدوّك من حيث لا تشعر. والتزم صون الجيش وحمايته؛ فأنت لا تدري كم تُوجِع الكلمات رجالًا يقفون على تخوم الجبال، وفي المتاريس، وعند فوهات السلاح، تحت شمس لافحة، بينما أنت في مقيلك، تشرب الماء الهانئ، وتمضغ القات الطري، وتمشي على الأرض مختالًا فرحًا.
ولهذا، كنتُ أرصد ..
عندما قررت ميليشيا #الخوثي الإرهابية غزو صنعاء، كان اللواء علي الجايفي، قائد قوات الاحتياط، واللواء محمد علي القاسمي، المفتش العام، يردّان على أوامر الرئيس السابق بضرورة التحرك عسكريًا بالقول إن “الجيش مهزوم نفسيًا”. وقد اتخذوا من قرار ما سُمّي بـ”هيكلة الجيش” مبررًا لذلك، مع أن هذه الهيكلة كانت نصًا إلزاميًا في المبادرة الخليجية، أُلزم بها الرئيس عبدربه منصور هادي من قِبل سلفه. ولا ننسى تلك الصورة المؤلمة لضابط مكتنز العنق، مثل نخلة قصيرة، غليظة لا تنثني، يذرف الدمع في احتفائية عسكرية وطنية.
كان كثير من الضباط قد انخرطوا في ضجيج الهاشتاغات؛ وكنت أسمع بعضهم يبتهج بما يسميه “انتصارًا” على “المطاوعة” و”عسكر علي محسن” في فيسبوك، قائلاً: اليوم يا فندم كان معنا هاشتاغ حريقة، دمّرناهم في فيسبوك!، في الوقت الذي كانت فيه ميليشيا الخوثي الإرهابية، المدعومة من نظام آيات الشر في إيران، تتقدم عبر الأراضي اليمنية المشلولة نحو صنعاء. ولم يقف في وجهها إلا رجل واحد، بلا لحية، ارتقى شهيدًا على أبواب صنعاء، يُدعى : حميد القشيبي.
كان السلاح والمعدات والعربات والصواريخ بيد الجيش، وكان الأمن المركزي يضم قوات مدربة على الصمود لآلاف السنين، وكان اللواء الثالث مدرع داخل محيط الرئاسة يمتلك من القوة ما يؤهله – نظريًا – لابتلاع #اليمن والصومال معًا، وقلب موازين المعركة خلال ساعات. ومع ذلك، استسلم، وسلّم كل شيء؛ لأنه لم يكن في موقع تفوق حقيقي. فأدوات القتال لا تغني شيئًا ما لم تسندها إرادة قتال راسخة.
ولهذا، فإن المسؤولية اليوم تقع على عاتق كل كاتب وكل صاحب رأي: أن يجمع شتات وعيه، وأن يدرك أن المناطقية هي الداء العضال في اليمن، وأنها أحد أبرز أسباب الهزيمة أمام الإمامة عبر التاريخ؛ إذ حين تتجذر “ثقافة الهزيمة” في النفوس، تتلاشى الجيوش قبل أن تبدأ المعارك.
فلا تكن أعمالكم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف؛ لا يقدرون على شيء مما كسبوا، وذلك هو الضلال البعيد.
وإلى لقاء يتجدد
#سام_الغباري


