فهمي محمد
في زمن تحولت فيه وسائل التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة للتصفيات الشخصية وحتى التوظيف السياسي ضد الخصوم، وانتشرت فيه ثقافة الإساءة تحت شعارات حرية الرأي والتعبير المزعومة، تبرز بين الحين والآخر قصص نادرة لشخصيات لا تقبل أن تكون ضحية صامتة، لأن الضحايا بعدها سيكونون بالعشرات إن لم يكونوا بالمئات، لهذا فإن مثل هذه الشخصيات تستحق الإشادة، لأنها انتصرت للقانون في زمن الانفلات من العقاب.
بدون شك قصة الدكتورة الفت الدبعي هي أبرز تلك الحكايات التي تستحق أن تروى في هذا المضمار، ليس فقط لأنها انتصرت في معارك قانونية عديدة ضد المسيئين للمرأة والمجتمع، بل لأنها أعادت للقانون هيبته، وللكلمة مسؤوليتها ومعناها في مواجهة الخصوم على صفحات التواصل الاجتماعي.
صحيح أن القانون في جوهره ليس سوى نصوص حبرية مكتوبة على ورق، جامدة لا روح فيها. لكنه يتحول إلى كائن حي، إلى سلطة رادعة، إلى سيف عدالة مسلط على رقاب المجرمين، عندما يحمله أشخاص أقوياء يؤمنون به، وعلى هذا الأساس تعد الدكتورة الفت الدبعي واحدة من هؤلاء الذين جسدوا هذا التوجه، حين رفضت أن يبقى القانون مجرد كلمات معزولة عن الواقع المحيط بها، وعن الكلمات الفوارة التي كتبت عنها “بفجور الخصوصية” في صفحات التواصل الاجتماعي.
بدأت قصتها كغيرها من آلاف القصص التي تحدث يومياً في فضاء الإنترنت الواسع والمفتوح أمام الجميع، كلمات جارحة، اتهامات باطلة، وتشهير ممنهج عبر منصات التواصل الاجتماعي والهدف من ذلك هو النيل من امرأة آمنة بفكرة التغيير وبمحورية المرأة في معترك الحياة السياسية والاجتماعية.
كان المتنمرون يعرفون جيداً أن ما يفعلونه جريمة يعاقب عليها القانون، لكنهم ربما راهنوا على شيء واحد، وهو صمت الضحية، وخوفها من الابتزاز، أو من تعقيدات اللجوء إلى القضاء، إنها نفس المعادلة التي يستخدمها كل من تسول له نفسه الإساءة للآخرين على صفحات هذا الفضاء المفتوح، معتمداً على أن الضحايا غالباً ما يفضلون السلامة وينسحبون بهدوء.
لكن الدكتورة الفت مع هؤلاء كانت مختلفة تماماً، لم تختار الصمت، ولم تتنازل عن حقها كغيرها ممن سبقوها، وبدلاً من ذلك حملت ملف الإساءات وتوجهت إلى ساحة القضاء في الداخل والخارج، وقد كنت أحد الأشخاص الذين ترافعوا عنها وأدركت عمق إيمانها في مسألة الانتصار للقانون ضد جرائم النشر.
هناك في رحاب العدالة، التقت النصوص الحبرية بروحها الحقيقية المؤمنة بالقانون، وتحولت المواد القانونية من كلمات جامدة إلى سيوف مشرعة في وجه الجريمة.
لم تكن معركة الدكتورة الفت مجرد قضية شخصية تستحق الإعجاب والتقدير، بل كانت معركة رمزية لكل من يتعرض للإساءة ولا يجد الشجاعة والإقدام للمطالبة بحقه. كانت رسالتها واضحة: القانون ليس حبراً على ورق، بل هو الدرع والسيف، لكنه لا يتحرك ما لم تحركه أنت بإيمانك بحقيقة الانتصار له في ساحة القضاء حتى صدور الأحكام العادلة.
وعندما صدرت الأحكام، ورسمت المحكمة بوضوح الحدود الفاصلة بين حرية التعبير وجرائم النشر. لم يكن الحكم مجرد عقوبة للمسيئين فقط، بل كان إعادة اعتبار للقانون نفسه، وتأكيداً على أن العدالة تنتصر دائماً لمن يؤمن بها، وهكذا كانت الفت الدبعي نموذجاً للنساء المؤمنات ليس بدور المرأة وحضورها الفاعل في حركة المجال العام، بل بالنضال السياسي وسلطة القانون وفكرة الدولة دون توقف أو تراجع أو يأس.
في الختام تبقى قصة الدكتورة الفت الدبعي شهادة حية على أن القانون يصنع الفارق حين توجد شخصيات قوية تنتصر له من مواقعها وبدورها، كما أن النصر الحقيقي ليس فقط في حكم الإدانة الذي يصدر بعد المداولة، بل في ارتداء الشجاعة التي تدفع الإنسان للوقوف في وجه الظلم والانتهاكات ضد المرأة والمجتمع، وهي ثقافة تجسدها الفت الدبعي في معاركها القانونية التي تخسر فيها الكثير من المال والجهد والوقت.
