مقالات رأي

ماذا كتب الشهيد القاضي الزبيري إلى الفقيد الأستاذ النعمان وعنه؟

لطفي نعمان
في ذكرى استشهاد أبي الأحرار القاضي محمد محمود الزبيري نقتطف من الرسائل الزبيرية من (باكستان – القاهرة) إلى رفيقه الصانع الأول لقضية الأحرار الأستاذ أحمد محمد نعمان في (حجة) في خمسينيات القرن العشرين:
1
“ماذا أقول لك وبماذا أحييك وبأي اسم أسميك وأنت لست جزءً مني فحسب بل إنك تمثل الأغلبية الساحقة من شخصيتي.
إن قلبي ينتفض من يدي (وليس هذا من الشعر في شيء) بعد أن صممتُ على الكتابة إليك أيها الحبيب وما عرفت التردد في شيء كما عرفته في هذا الأمر الجلل وكان في وسعي أن أكتب إليك عن الطريق الرسمي منذ وقت طويل..
“… لقد كانت لي دنيا من المبادئ والنزعات والعواطف كنتُ أعيش فيها كما تعلم غير أن دنياي تلك قد تبخرت اليوم كلها، وتلاشت واستحالت إلى شخص واحد ينطوي فيه مصير الأحباب جميعاً، وهو أنت، فأنت اليوم مبدأي وضميري وأنت دنياي بقضها وقضيضها وحذافيرها، وأرجوك أن لا تفهم من هذا شعراً ابتكره الخيال بل يجب أن تفهمه حقيقة من الحقائق الثابتة المحسوسة، ذلك لأن حياتنا اليوم قد ارتفعت مإلى مراتب الشعر فأتفه ما نصنعها به لا يكون إلا شعراً ولكن شاعره هو القدر وحده..”.
2
“أخي الكريم الحبيب بقية حياتي وكنز قلبي وخليفة روحي فضيلة الأستاذ الشيخ أحمد محمد نعمان حياك الله عنا بقدر أمانينا وكفاء حبنا ولوعتنا ووهبك من الخير قدر ما كنا نهبك لو كانت في أيدينا خزائن الأقدار وكفاك من صروف الأيام ما كان يكفيك لو كنت نزيل جنته وضيف رحمته بعد البعث والنشور.
“…. ثِق بأُخُوتي بدون قيد ولا شرط واعذرني وسامحني إذا عجزت أو قصرت ما دام روحي فيك وقلبي معك وعقلي في رأسك وكلي لك ونفسي وأهلي ودنياي بحذافيرها فداؤك. لم أتصنع هذه الكلام ولم أتزيد فيه ولم أتأنق له وإنما هي المعذرة الصادقة تقدم نفسها إليك في لهفة وضراعة وفي سذاجة وإخلاص وأنت بكل هذا جد عليم.
لم أنم بعدك على فراش وثير، ولم أنل ذرة من الخير أنت منها محروم، ولم أطعم ما يطعم الناس، ولم أشرب ما يشربون، ولم أكن ناجياً وأنت متورط، ولا منطلقاً وأنت سجين، ولا سالياً وأنت حزين..”.
3
“أخي وزعيمي وصنو روحي الأستاذ أحمد محمد نعمان أطال الله بقاءه ذخراً لأمته ومناراً لهدايتها ورمزاً قدسياً تجتمع حوله القلوب ويلتئم الشمل وتضمد الجراح وحياه الله وبياه وأكرمنا برؤياه.
“.. حرامٌ أن تتأثر القضية بالأوغاد والسفهاء، وأن يتحكم فيها السفلة والدخلاء وأن يكون الشعب كله تحت رحى هذه الحماقات..
“… كان يمكن أن أخوض معك في أمر خروجك ولكن هيهات أن أتحمل المسئولية مرتين، فتصرف أنت بما تراه صالحاً، وأنا بعدها تحت تصرفك اطلب منا ما تريد بعد أن توازن بين بقائك وخروجك فوالله إنها لحيرة بالغة.
لقد أصبحتَ في الخارج ضرورة قاهرة لا تتصور أنت أهميتها، لقد أصبحتَ إماماً قديساً تفعل ذكراك في نفوس الناس فعل السحر.
فلو وُجِدتَ أنت في الخارج لأنقذت القضية من دمار يوشك أن يحدثه بها الدخلاء والأدعياء ولأنقذتني من عذاب أليم.
ولكني ومع ذلك أستطيع أن أنصح ولا أقترح، أولاً كما قلتُ لك لأني لا أريد أن أتحمل مسئوليتك ومسئولية الأسرة التي من ورائك مرتين. وثانياً أني لا أعرف أيهما أحق بك وأكثر انتفاعاً بوجودك، الداخل أو الخارج، لا أدري والله لأنك أصبحت ضرورة وطنية كبرى”.
وفي ذات معنى “الضرورة الوطنية الكبرى” نظم الزبيري (قبل الرسالة الثالثة -المقتطف منها الفقرات أعلاه- بعشر سنين 1944م) معزياً النعمان في زوجته:
أنت للأمةِ التي علقت فيك.. عظيم المنى، كبير الرجاءِ
أودعت في يراعك الغض ما قد .. أفرغته من أدمع ودماءِ
حمَّلَت قلبك الجراح التي تصرخ .. في البائسين والضعفاءِ
أرسلَت فيك صوتها الثائر الغضبان .. ضد الحكومة الهوجاءِ
أنت للظلم غصةٌ يبتلي الظالم .. منها في كل يومٍ بداءِ
أنت للحقِ قوةٌ تزهق الباطل .. في عقر داره الشماءِ
يخجل العرش أن تكون غضوباً .. منه، أو أن تُذِلَه بالتنائي
أنت بالابتعاد تصـنع للطاغي .. وتاريخه أشد الهجاءِ
منذ غادرت سوحه لم يجد .. ما كان في أنفه من الكبرياءِ
ويرى نفسه وراءك كالصعلوك .. يقضي حياته في الهراءِ

يا شقيقي في مبدأي، يا زميلي .. في جهادي، يـا سلوتي يا عزائي
…..
فامضِ يا قائد الشباب إلى الحق .. ولا تكتئب من البأساءِ
خلِ أمر الفقيدة في ذمة الله .. جزيل الثواب جم العطاءِ
وتذكر مصير أمتك الكبرى .. على هوة الردى والفناءِ
*
وكتب إليه سنة 1959 متنبئاً بمشهد اغتياله:
“.. من هو الساحر الذي يستطيع أن يرميك دون أن يصيبني”؟!
*
وصدر سنة 1961م عن “الاتحاد اليمني لجنة الثقافة والنشر” ضمن سلسلة “أضواء على طريق اليمنيين” كتيب “نعمان الصانع الأول لقضية الأحرار” بقلم “محمد محمود الزبيري” يشرح فيها تأثير نشاطه ووجوده لإنعاش حركة المعارضة الوطنية فكتب أن النعمان “صنع في أسبوع ما عجزنا عنه في عام”. كما بعث الزبيري إلى النعمان الابن “محمد أحمد” سنة 56م:
قلت لك إني لا أستطيع أن ألحق بالوالد وحسبي أني أرى غبار الفارس من بعيد..”
*
إنما ماذا كتب “الشهيد الحي” و”الرسالة الحية”: الأستاذ نعمان -حسب الزبيري في منشورات أخرى-. ماذا كتب الأستاذ عن رفيقه الشهيد..
فإلى مادة أخرى.

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى