مقالات رأي

تعز وحدود الخطر

‏
سمير رشاد اليوسفي

‏الاحتفاء اليوم بذكرى «ثورة 14 أكتوبر» يضع القوى المناهضة للحوثيين أمام مفارقة يصعب القفز عليها؛ فتعز، التي كانت تاريخيًا قاعدة خلفية ومعسكر تدريب ومركز إمداد بالسلاح لثوار الجنوب حتى الاستقلال، تقف اليوم في مواجهة الحصار والتصعيد الحوثي المرتبط بالمشروع الإيراني في المنطقة.
‏المسألة لا تتعلق بـ«رد الجميل» التاريخي وحده؛ فحسابات الخطر الراهن تجعل إسناد تعز مصلحة وطنية وإقليمية مشتركة. استدعاء «حدود ما قبل 1990» في هذه اللحظة، بينما تقاتل المدينة عند تخومها، يقوم على افتراض نظري خاطئ، مفاده أن الفصل السياسي كفيلٌ بإنتاج فصلٍ أمني وعسكري. وهذه قراءة تمنح الخطوط على الخريطة قدرة لا تملكها؛ فلا تقدم تلك الحدود، بذاتها، ضمانة لوقف التمدد الحوثي إذا نجحت الجماعة في إخضاع تعز.
‏على الأرض، تستحق المؤشرات الميدانية قراءة تتجاوز البيانات السياسية. فاللوحات التي ترفعها الميليشيات في مناطق تقدمها، على الطرق المارة نحو «الصلو» و«الأحكوم» و«هيجة العبد»، تحمل أسماء «لحج» و«عدن»، بالتوازي مع ضغطها العسكري غربًا في أطراف «ذوباب» وباب المندب. قد لا تكفي لوحات الطرق لإثبات خطة عسكرية وشيكة، لكنها تذكّر بأن وجهة الخطر أبعد من المدينة التي تتلقى الضربة اليوم؛ فخسارة المواقع الجبلية الحاكمة في تعز توسّع خيارات التقدم الحوثي، وتكشف السواحل والطرق الممتدة جنوبًا.
‏وتكشف قراءة الخطاب الحوثي عشية أكتوبر عن التباين بين التهدئة التكتيكية والطموح الاستراتيجي؛ فالجماعة تغازل تعز بعروض «العفو» لتحييدها، وتتجنب الاشتباك اللفظي مع مشاريع الفصل الجغرافي، وتحصر عداءها الإعلامي في الجوار الإقليمي. هذا السلوك ليس اعترافًا بحدود المشاريع السياسية لخصومها، بل مناورة لتخدير الجبهات الجنوبية والاستفراد بتعز لإغلاق خارطة الشمال القديم.
‏ففي الخطاب نفسه، شطبت الجماعة مفردتي «الجنوب» و«الوحدة» من قاموسها تمامًا، ونصّبت نفسها «الوارث الشرعي» لثورة أكتوبر، وجمعت موانئ عدن وحضرموت وشبوة والحديدة في إطار سيادي واحد. غياب المفردتين لا يعني التخلي عن الجغرافيا، بل التعامل معها باعتبارها حقًا مفروغًا منه، لا قضية تحتاج إلى نقاش. بمعنى آخر، يظهر الجنوب في هذا التصور مجالًا مؤجلًا لفرض السيطرة. وهنا تكمن خطورة الاطمئنان إلى انشغال الحوثي بتعز: التهدئة مع جبهة اليوم لا تعني إسقاطها من حسابات الغد.
‏في المقابل، فإن اختزال مدينة بحجم تعز في فصيل سياسي واحد خطأ فادح في تقدير الموقف. المدافعون عنها ليسوا طرفًا واحدًا، وسكانها لا يتحملون وزر خلافات القوى السياسية. وإذا كان التحريض الذي عانى منه أبناؤها في المحافظات الجنوبية قد تراجع خلال الأعوام الثلاثة الماضية بفضل مساعي التقارب والشراكة، فإن الدرس الأهم هو الفصل بين حقوق المواطنين وصراعات السياسة، لا استثمار الجراح القديمة لإنتاج خصومات جديدة.
‏المعيار الحقيقي هو المواطنة. فالجمهورية لا تُختصر في مجرد معاداة الحوثيين، كما أن الوحدة لا تُختصر في الاحتفاظ بشكل الخريطة. إذا بقي الإنسان رهينة لسلطة السلاح، أو موضع شبهة بسبب محافظته، فإن تبدّل التحالفات لن ينهي الأزمة، بل سيعيد تدويرها بأسماء مختلفة؛ وليس البديل عن الإمامة جمهورية تُبقي المواطن في موقع «الرعوي» المنقوص الحقوق.
‏لذلك، ينطوي ترك تعز وحدها على خطأ مزدوج: عسكريًا، عبر توسيع مجال التقدم الحوثي والضغط باتجاه الجنوب والممرات المائية؛ وسياسيًا، بمنح الجماعة فرصة لتسويق نفسها بوصفها حامية الوحدة والمحتكر الوحيد للسيادة والقرار الوطني في مواجهة مشاريع التشظي. ليس ذلك دليلًا على اتفاق معها، لكنه مكسب استراتيجي مجاني تحصل عليه من أخطاء خصومها وقصر نظرهم.
‏إسناد تعز اليوم لا يصادر عدالة القضية الجنوبية، ولا يحسم شكل الدولة مسبقًا، لكنه يمنع حسم هذا المستقبل بقوة السلاح. لقد صُممت مظلة الشراكة بين القوى المناهضة للحوثيين لتوحيد المواجهة وإبقاء الخلافات الكبرى على طاولة الحوار، لا للانشغال بخطوات أحادية تستبق استعادة الدولة وتمنح الخصم فرصة لتغيير الوقائع قبل بدء الحوار أصلًا.
‏إن الإقرار بأن أمن تعز لا ينفصل عن أمن عدن يستوجب ترجمة عملية على الأرض: إمدادات تصل، وطرق تُفتح، وحماية للمدنيين؛ فمحاسبة من يعين الحوثي ضرورية، لكنها لا تغني عن إعانة من يقاتله، والإشادة بالصمود لا تعوّض توفير أسبابه.
‏الوفاء لأكتوبر لا يكون باستدعاء حدود الأمس، ولا بتأجيل نجدة تعز إلى حين الاتفاق على دولة الغد. يكون بإسناد المدافعين عنها، وحماية سكانها، وإبقاء الخلاف السياسي قابلًا للحوار. فالحدود المختلف عليها لا توقف النار، وانقسام الخصوم قد يمنح الحوثي ما تعجز قوته وحدها عن انتزاعه.

تعليقات الفيس بوك

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى