نصر طه مصطفى
نقيب الصحفيين ووزير إعلام اليمن السابق.
5/10/2026
أخيرا، وبعد انتظار طويل، أعلن الرئيس اليمني رشاد العليمي مساء الأحد 4 أكتوبر/تشرين الأول بدء العملية العسكرية الواسعة لاستعادة العاصمة صنعاء وبقية المحافظات التي تقع تحت هيمنة الحركة الحوثية منذ سبتمبر/أيلول 2014.
ويُعدّ هذا الإعلان من جانب الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا إنهاء رسميا من جانبها لهدنة 2022، وإعلانا رسميا دستوريا وقانونيا هو الأول من نوعه بهذه الصياغة الصريحة، يحمل هدفا واضحا لا يحتمل اللبس ولا التأويل في المعنى والمبنى؛ بغرض استعادة العاصمة صنعاء وبقية المحافظات بالقوة العسكرية وليس عبر التفاوض السياسي الذي فشل في عدة محطات تفاوضية سابقة متتالية ومتقطعة لم تؤد إلا إلى مزيد من تغول المليشيا وتمددها، وتطوير ترسانتها العسكرية.
وقد استقبل اليمنيون إعلان رئيسهم بالترحيب والتفاؤل رغم ما سيحدث بعده من مواجهات صعبة في مختلف المحافظات، لأن الخلاص من سلطة المليشيات كاد يتحول في لحظات كثيرة سابقة إلى يأس وقنوط واستسلام للأمر الواقع، فيما حمل إليهم هذا الإعلان آمالا كبيرة بأن ساعة الفرج قد اقتربت؛ لأن اليمنيين عموما يؤمنون كسائر شعوب الدنيا أن ظل الدولة مهما كان قصورها أو ضعفها أفضل وآمن من سلطة مليشياوية لا تؤمن سوى بالعنف والقوة والصراعات الأبدية.
ولذا فإن الدولة اليمنية بإعلان رئيسها بدء عملياتها العسكرية تكون قد قررت خوض معركتها الأخيرة والحاسمة مع المليشيا لاستعادة أمن وسلام واستقرار اليمن.
وفي الوقت ذاته تخوض الحركة الحوثية هي الأخرى ما تعدّه معركتها الأخيرة في اليمن؛ فإما سيطرة كاملة على البلاد دون نقص، وإما القتال من أجل بسط نفوذها على رقعة من اليمن كبرت أو صغرت، تستكن فيها وتجعل منها منطلقا لمعركة قادمة يخوضها جيل آخر قادم من تيار الإمامة الهادوية ولو بعد عدة عقود، كما هو دأب هذا التيار منذ عام 284 هـ الذي لم يعرفه اليمنيون إلا عنوانا للقتال والتعصب والاستعلاء عليهم باسم الدين والمذهب والتفوق السلالي.
وكلما استقر الحال باليمن في عهد إحدى الدويلات التي مرت عليه وبدأ عهودا من الرخاء والبناء والسلام، وجد تيار الإمامة طريقا للفتنة وانطلق مقاتلا باسم استعادة الحق الإلهي في الحكم، ومعاقبة مغتصبي سلطته اللاهوتية، فينجح مرة ومرتين ويفشل مرات أخرى كثيرة، لكنه في الحالين يدمر استقرار اليمن وسلامه وتعايشه وتآلف أبنائه، وهكذا دواليك حتى عصرنا الحاضر.
وبعد 50 عاما من إقامة النظام الجمهوري في اليمن في 26 سبتمبر/أيلول 1962 استفاد خلالها هذا التيار من مرحلة التعددية السياسية والحزبية والحريات الديمقراطية والصحفية في التسويق لنفسه بوجوه حداثية، ومنذ منتصف العقد الأول من الألفية الجديدة تبنى منظروه شعار (أرهقوا الفساد حتى يسقط) وانساقت وراءه أحزاب المعارضة بنوايا بعضها حسن وبعضها سيئ.
وجرت انتفاضة 2011 وسقط نظام علي عبد الله صالح، وجاء نائبه عبد ربه منصور هادي محملا بائتلاف حاكم مشكّل من حزبه وحزب صالح المؤتمر الشعبي العام وأحزاب المعارضة التي أرهقت الفساد وأسقطت النظام دون أن تدرك أنها هيأت الأجواء ومهدت الطريق لتيار الإمامة الجديد الذي جدد شعاره بإرهاق النظام الوليد حتى أسقطه في 21 سبتمبر/أيلول 2014.
وكاد يشرعن وجوده وسلطته من خلال اتفاق السلم والشراكة الوطنية -الذي هندسته أطراف دولية وقوى داخلية- لولا أن استعجاله في وراثة عهد هادي هو الذي أعاق مخططاته التي فشلت بالهروب الشهير لهذا الأخير إلى عدن في فبراير/شباط 2015 لتتواصل حروب هذا التيار ضد اليمن الجمهوري ونظامه السياسي جنوبا والتي بدأها شمالا في أواخر عام 2013، وهو ما جعل الرئيس هادي يطلب من دول مجلس التعاون الخليجي التدخل العسكري لنصرة نظامه الشرعي المنتخب ضد مشروع الانقلاب والتمرد الذي قادته الحركة الحوثية.
ومنذ لحظة التمدد الحوثي جنوبا بدأت قصة صمود محافظة ومدينة تعز ومقاومتهما الشهيرة لتمدده التي استمرت كالحكاية الأسطورية حتى اليوم، والحقيقة أن كل المحافظات في جنوب اليمن قاومت مليشيات الحوثي بأبسط الإمكانات، ولم تتح للمليشيات فرصة للاستقرار والاطمئنان والسيطرة.
وهو ما حدث كذلك في محافظات لحج والضالع وأبين وعدن وشبوة، إذ حظي معظمها بمساندة عسكرية مباشرة وميدانية من تحالف دعم الشرعية، ساعدها على سرعة التخلص من المليشيات، فيما ظلت معظم مديريات محافظة ومدينة تعز تقاوم بإمكاناتها الذاتية ومساندة أبنائها ودعم متواضع من حكومة الرئيس هادي، رافضة الانصياع للمليشيات أو التعاون معها مستلهمة في ذلك تاريخها الوطني المميز في مقاومة الإمامة.
كما ساعدت حيويتها السياسية وتنوعها الحزبي في التفاف القوى السياسية حول فكرة المقاومة ورفض التسليم لسلطة الأمر الواقع التي فرضها الحوثيون على معظم المحافظات الشمالية.
شاركت محافظة مأرب هي الأخرى في بث الروح المقاومة للتمرد الحوثي، ولعل المحافظتين (مأرب وتعز) استلهمتا من بعضهما الروح العنيدة الرافضة للخضوع المذل لسلطة تعتقد أنها هبة الله ليس فقط لليمن بل للعالم كله الذي يتوق -بحسب فهمها- لحكم ولي الله الذي يعتبر نفسه امتدادا لسلطة أجداده العلويين الفاطميين أو ما اصطلح على تسميته (البطنين).
والحقيقة أن اليمنيين ربطوا هذا التنظير والتأصيل السلالي المنافي لقيم الإسلام والحضارة والعصر بنهج الإمام الهادي يحيى بن الحسين الرسي الذي عرفه اليمن بمجيئه عام 284 هـ؛ هذا الربط المصيري بين السلطتين الدينية والدنيوية المؤسسة على الاصطفاء العرقي، فالإمام العلوي الفاطمي المنسل من ذرية الحسن والحسين في مذهب الإمام الهادي هو إمام الدين والدنيا، ولا تجوز الإمامة في غير نسلهما وذريتهما.
هذا التأصيل العرقي الأبدي للحكم وحصره في سلالة محددة وجعله أمرا دينيا ملزما معلوما من الدين بالضرورة وأساسا لصلاح تدين المرء لا يستقيم إسلامه وإيمانه إلا بالرضا به والتسليم له والقبول بهذا الصنف من الأئمة للدين والدنيا؛ هذا التأصيل المنحرف هو أساس حرب اليمنيين الممتدة طوال القرون الماضية ضد الأئمة والإمامة الزيدية الهادوية والتي كانت تصل إلى اعتبار كل اليمنيين من أتباع المذهبين الزيدي والشافعي مجرد أتباع ومواطنين من الدرجة الثانية وما دون، ووصل انحرافها في مراحل عدة إلى اعتبار أبناء المذهب الشافعي كفار تأويل وأرضهم خراجية.
يصف المفكر والسياسي اليمني الراحل محمد أحمد نعمان ابن محافظة تعز في صفحة 26 من كتابه (الأطراف المعنية في اليمن) الصادر عام 1965 عهد آخر عائلة حكمت اليمن بعبارة تهكمية ساخرة (وكان العهد المتوكلي الذي دام 44 عاما بين عامي 1918 و1962 هو آخر ما وصل إليه نظام الحكم المتعصب في اليمن من لطف وتهذيب في التعامل مع المواطنين وتوجيه العلاقات فيما بينهم).
ثم يقول في صفحة 29 وهو يسرد بعضا من أعماق محنة الحكم الإمامي في اليمن ما يلي: (لقد وجه الإمام يحيى قبائل الشمال التي حاربت تحت قيادته ضد الأتراك، وجه هذه القبائل نحو الجنوب وتهامة بدعوى المحافظة على الراية المحمدية في بلاد (كفار التأويل وإخوان النصارى) ليسلم هو نفسه من شر القبائل الشمالية التي تريد أن تعيش دون أن تعمل في الحقول لأن الفلاحة في تقديرها عمل غير شريف مثل القتال انسجاما مع المفهوم البدوي لمعاني الشرف.
وللإنصاف فإن الإمام يحيى لم يشأ بهذه الوسيلة أن يكرم الشماليين أو أنه تصرف هذا التصرف تحت دافع الحب والحرص على مصالحهم، والرغبة في رد جميلهم، لأنهم جاؤوا به إلى العرش. وإنما أراد أن يضرب جناحا بجناح، وأن يصرف أنظار الشماليين أنفسهم عما تعانيه مناطقهم من تخلف يستوجب بذل جهود كبيرة للخروج بها من حالة العقم والجمود إلى حالة الإنتاج والتحرك).
هذا بعض من كثير تحدث به المفكر والسياسي الراحل في واحد من أهم الكتب التي صدرت عن تاريخ الصراع في اليمن مع الإمامة التي كرست الاستبداد والطبقية، واتسمت عهودها المتقطعة بالصراعات الدموية والفقر والبؤس وتكريس العصبيات المناطقية والقبلية والمذهبية والعرقية على قاعدة (فرق تسد).
وقد كادت ذاكرة اليمنيين تنسى تاريخ الإمامة الدامي والمظلم في اليمن حتى جاءت الحركة الحوثية لتحيي هذه الذاكرة وتنعشها، وتحيي في نفوسهم روح ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962 التي كانت أول عملية جراحية نوعية تسعى لاستئصال هذا المرض من الجسد اليمني المريض والمتعب والمنهك، وبذلت الثورة خلال عقودها الخمسة التالية جهودا ثقافية وتعليمية وتشريعية كبيرة لمعالجة آثار الأمراض الإمامية العميقة، ولعلها على قصورها حافظت على جذور الروح الثورية التي مكنت اليمنيين من مقاومة النموذج الإمامي الجديد الذي جاء بتواطؤ داخلي وخارجي وصمت دولي، بل ودعم مريب في بعض المراحل.
وها هي الحركة الحوثية تخوض اليوم معركتها الأخيرة لترسيخ نموذجها الإمامي في الحكم، ومن الصحيح القول إن إيران ساندت وتساند هذه الحركة واستثمرت فيها كثيرا وبسخاء منقطع النظير لا من أجل التنمية والرخاء، بل لجعل اليمن قنبلة موقوتة قابلة في أي لحظة للانفجار في كل المنطقة، لكن هذا لا ينفي عمق تأثير الجذر الإمامي المتعصب الذي يعاني منه اليمنيون بغض النظر عن مستوى الحضور الإيراني في المشهد.
فالحركة الحوثية امتداد لتيار مذهبي يقارب عمره 1200 عام، وهي مشكلة يمنية حقيقية داخلية بوجود إيران أو عدم وجودها، ولو سقط النظام الإيراني اليوم أو غدا فلن يعني ذلك انهيار الحركة الحوثية في اليوم التالي؛ بسبب امتداداتها التاريخية العميقة التي ظلت تتسبب في أزمات اليمن وحروبه الداخلية على امتداد القرون الماضية، وكذلك بسبب نشاطها السياسي والتنظيمي الذي سبق سيطرتها على العاصمة صنعاء وتوسعه بعد هذه السيطرة، حيث استفادت من كل إمكانات واحتياطيات ولوجيستيات الدولة المركزية التي سيطرت عليها واستثمرتها في تقوية أجهزتها العسكرية والأمنية وبناء ترسانتها العسكرية بدعم تقني وخبرات إيرانية ولبنانية (حزب الله) وعراقية (الحشد الشعبي وحلفائه)، فيما ظل المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي ومبعوثه يقنعون الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا بعدم وجود حل عسكري للأزمة بدلا من إقناع الحوثيين بذلك، رغم قناعتهم أنهم لن يقبلوا إلا ببسط سيطرتهم كاملة على اليمن، ثم إبداء استعدادهم للسلام بشروطهم.
ولولا أن المملكة العربية السعودية وقفت بالمرصاد بمفردها في وجه كل الضغوط والمؤامرات الإقليمية والدولية الهادفة لتمكين الحوثيين لكانت صورة الأوضاع قد تغيرت بالكامل؛ لذا تمكنت الرياضبنفوذها الإقليمي والدولي الواسع من حماية المركز القانوني للحكومة الشرعية اليمنية والحيلولة دون أي اعتراف بسلطة الحوثيين، وهو ما يفسر أحد أسباب الهجمة الحوثية الأخيرة ضد المناطق التي تسيطر عليها الحكومة اليمنية وضد أراضي ومنشآت المملكة.
وبعد أن سيطر الحوثيون على الساحل الغربي وميناء المخا أوائل الشهر الماضي بمكائد عديدة، ها هم يحشدون لخوض معركتهم الأخيرة للسيطرة على تعز ولحج وعدن؛ لضمان ثبات حضورهم على الجزء الأهم من الشواطئ اليمنية، وكذلك حشدهم الكبير ضد مأرب وما تمثله من رمزية تاريخية وثروة نفطية وغازية لن يكون لها قيمة إلا بسيطرتهم كذلك على منشأة الغاز وميناء تصديره في بلحاف بمحافظة شبوة الشرقية.
لكن الحوثيين يدركون في الوقت ذاته أن هناك قرارا وطنيا وإقليميا ودوليا بإسقاط مخططهم، وعدم تكرار أخطاء الصمت عن إسقاط صنعاء ومنع استعادة الحديدة -وربما التواطؤ- في الأعوام السابقة.
وها هي تعز تواجه على مدى الأسابيع الماضية الهجمات تلو الهجمات بصمود أسطوري بالفعل وإرادة وطنية ووعي جمهوري منقطع النظير ودعم كبير من المملكة العربية السعودية الحليف الأوثق لليمن الذي قرر أن يعمل على مساعدته لاستعادة سيطرته على كامل ترابه الوطني، كما أكد ذلك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان عند افتتاحه الدورة السنوية الجديدة لمجلس الشورى السعودي منتصف الأسبوع الماضي، إذ يُعدّ هذا الخطاب التعبير السنوي الأهم عن أبرز توجهات السياسة السعودية خلال العام التالي على مختلف الجوانب الداخلية والخارجية.
ومن هنا، وبعد إعلان الرئيس العليمي رسميا بدء العمليات العسكرية، ينظر اليمنيون بأمل كبير للمعركة القادمة التي تهدف لاستعادة أمن واستقرار اليمن وترسيخ نظامه الجمهوري والقضاء التام على ما تبقى من أحلام الإمامة؛ فاليمن اليوم، بعدد سكانه الكبير وأرضه الشاسعة، أكبر من أن تبتلعه طموحات ترتكز على قيم سياسية تتصادم مع أصول الدين وقيم العصر ومفاهيم الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة السياسية والحريات العامة.
