رغم مسار التهدئة هذه العواصم لن تعرف الراحة قريبا

نصر طه مصطفى
نقيب الصحفيين ووزير إعلام اليمن السابق.
الجزيرة نت
6 يوليو 2026

لا تبدو المنطقة على أبواب استقرار حقيقي بعد إنجاز مذكرة التفاهم الإيرانية الأمريكية، فرغم اللقاءات التي أعقبتها في كل من سويسرا وقطر، فلا يزال التوتر قائما والأعصاب مشدودة وكل طرف يحاول عرقلة تنفيذ المكاسب التي حققها الطرف الآخر في المذكرة- الاتفاق، وقد تمضي الستون يوما المنصوص عليها في المذكرة دون تحقيق تقدم يذكر في ملفي النووي والأموال المجمدة؛ إذ ما زال الجميع مشغولين بملف مضيق هرمز الذي حركته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران التي أدركت أنه نقطة قوتها الأساسية التي ستلوي بها يد العالم كله.
وهو ما أثبتت صحته الأحداث التالية طوال الشهور الأربعة الماضية، ومن المستحيل أن تتخلى عنها، بل ستحولها إلى ورقة تفاوضية رابحة ستحتاجها في نقاش كل الملفات المطروحة في المرحلة القادمة.

 يخشى العالم- قطعا- من حصول النظام الإيراني على القنبلة النووية، وهو أمر مفهوم، لكن هذا النظام نفسه سبق له الإفتاء بحرمة تصنيع القنبلة، بمعنى أنه لم يعد مستعجلا على تحقيق هذا الإنجاز، ما دامت لديه مصادر قوة أخرى مؤثرة ومتنوعة تمنحه القدرة على الصمود في وجه الكثير من العواصف.
ولذلك فهو سيعطي الولايات المتحدة الأمريكية هذه الورقة بكل أريحية، ليس فقط لأنه قد امتلك سر الصنعة، بل لأنه كذلك أنجز ما بين عام 2018- عام انسحاب ترمب من الاتفاق النووي- وعام 2025 ما لم ينجزه في سنوات طويلة في موضوع التخصيب.
وهو صمد سابقا في سنواته الأولى في الثمانينيات خلال حربه الطويلة مع العراق التي- رغم نهايتها الموجعة له- رسخت حكم ولاية الفقيه، وقطعت نهائيا كل جذور قوى المعارضة من اليسار مرورا بالليبراليين، وانتهاء بالحركات المسلحة كمجاهدي خلق، وعززت قوته الأمنية وسيطرته الكاملة على كل الجغرافيا الإيرانية الشاسعة والمتعددة الإثنيات والمذاهب والديانات.

ومنذ ذلك الحين وهو يبني قواه الداخلية وينسج تمدده الإقليمي بصبر منقطع النظير، ويستقبل الفرص السياسية التي أتاحها له المجتمع الدولي بتدخلاته العسكرية بحنكة بالغة محتفلا في عام 2015 بالاتفاق النووي والسيطرة على أربع عواصم عربية.
وكنا أشرنا في المقال السابق إلى أن مذكرة التفاهم الأخيرة تجاهلت القدرات الصاروخية ووضع الحلفاء، وهو أمر أثار استياء وشكوك دول المنطقة؛ إذ أصبح من غير الواضح صورة المستقبل القريب والبعيد لثلاث دول عربية محورية: اليمن، والعراق، ولبنان التي تنعكس الأوضاع فيها سلبا وإيجابا على محيط واسع حولها من الدول المستقرة.

وما زالت إيران تمتلك تأثيرا واسعا وإستراتيجيا- وإن كان متفاوتا بين السيطرة الكاملة والجزئية- على حلفائها في هذه الدول.. ولاشك أن هذه السيطرة هي إحدى أقوى أوراق إيران التفاوضية التي ستمكنها من تمرير العديد من رؤاها ومطالبها، وهي كذلك أوراق يستحيل أن تتخلى عنها إيران أو تقدم بشأنها أي مستوى من التنازلات، خاصة أن هذه الدول الثلاث أوضاعها متشابهة، حيث إنها تعيش حالة استقرار هش؛ فلا حرب ولا سلم بل وتقف على حافة حروب أهلية طاحنة، كما أن حكوماتها المعترف بها دوليا غير قادرة على بسط سلطتها الشرعية كاملة، وفرض قرارها على كامل أراضي الدولة.
فها هو لبنان بعد أن تمكن من انتخاب سلطة شرعية جديدة متمثلة في رئيس جديد، وحكومة جديدة متوافق عليهما أواخر عام 2024- مستفيدا من لحظة ضعف قاسية مر بها حزب الله في تلك الفترة بعد تدمير قيادته بشكل شبه كلي- قد عاد للمعاناة من جديد بعد قرار حزب الله في مارس/ آذار الماضي مساندة قيادته الإيرانية بفتح معركة عسكرية مع إسرائيل.

وبعد الآمال الكبرى للشعب اللبناني في العودة للاستقرار فإذا بقيادته الدستورية الجديدة تكتشف أنها غير قادرة على فرض قرارها السيادي على المستوى الوطني، وليست قادرة على حصر قرار الحرب والسلام بيدها، بل وليست قادرة على فرض سيادتها على مساحات واسعة من أراضيها جنوب البلاد، إذ أثبتت الأحداث أن قرار الحرب والسلام ما زال بيد إيران وأداتها في البلاد إلى الحد الذي سيجعل من الاتفاق الذي وقعته الحكومة اللبنانية مع إسرائيل مؤخرا برعاية أمريكية مجرد حبر على ورق، ولن يجلب للبنان السلام، بل يمكن أن يعمق أزمته السياسية في ظل الصراع الذي تقوده قوى متشددة دينيا في المنطقة.

أما العراق فلا يبدو من قريب أو بعيد أنه مرشح للتحرر من السطوة الإيرانية ومليشياتها الموالية لها والممولة بالكامل من الحكومة العراقية.. وها هي إيران تتعامل معه كمحافظة من محافظاتها بقرارها تخصيص ثلاثة أيام لتشييع مرشدها السابق آية الله علي خامنئي في ثلاث مدن عراقية قبل دفنه في مدينة مشهد الإيرانية.
وهذا وحده مؤشر لا يقبل الشك على مدى التأثير والنفوذ الإيراني على العراق رغم كل ما قيل عن رغبات رئيس الوزراء الجديد بتخفيف سطوة هذا النفوذ، وهو أمر لا يبدو أكثر من رسائل طمأنة مؤقتة لدول الإقليم وسرعان ما ستعود القوى الموالية لطهران إلى المشهد من جديد كما هو معتاد منذ عشرين عاما، وعلى كل حال فمعالجات وضع العراق تختلف وستختلف في معظم التفاصيل عما يمكن أن يؤول إليه الحال في كل من لبنان واليمن.

وبالنسبة لليمن فللجغرافيا أحكامها التي يمكن أن ترسم معالجات مختلفة في تفاصيلها عن لبنان والعراق، فمنذ أكثر من أربع سنوات يعيش اليمنيون في ظل هدنة صمدت رغم هشاشة بنيانها.
ولعل هذا الصمود للهدنة ناجم عن حجم الخسائر المهولة في البشر لدى الطرفين التي نتجت عن حرب مأرب التي استمرت منذ عام 2020 وحتى 2022، ولعل هذا ما جعل الحوثيين يدركون أن زمن تحقيق المكاسب عبر الحروب قد انتهى، خاصة بعدما التقطوا مبادرة السلام السعودية المعروفة باسم (خارطة الطريق) عام 2022، والتي تبنتها الأمم المتحدة لاحقا، وتحققت بموجبها الهدنة القائمة، وأدت إلى تخفيف التوتر العسكري على جبهات المواجهة الكثيرة.

غير أن انخراط الحوثيين في المواجهات مع إسرائيل عقب طوفان الأقصى أواخر عام 2023 وحتى وقف الحرب، نقل حالة التوتر السياسي والعسكري من الجبهات الداخلية إلى مواجهة خارجية دفعوا بسببها أثمانا كبيرة من قياداتهم ومن بنيتهم العسكرية والبنى التحتية المدنية، وتعرضوا لعقوبات دولية وأمريكية جديدة قاسية أدت تلقائيا إلى تجميد غير معلن لخطة (خارطة الطريق)، وبالتالي تأجيل كل الخطط التفاوضية مع الحكومة الشرعية المعترف بها دوليا برعاية سعودية وأممية.
ومن الواضح أن انعكاسات العقوبات الخارجية قد تركت آثارها السلبية على الوضع المعيشي والاقتصادي، ولعل ذلك أحد أسباب ترددهم في خوض المعركة إلى جانب إيران خلال الشهور الأربعة الماضية، رغبة في تجنب أي مواجهات جديدة مع الخارج، وهو ما أعطى مفاوضات الأسرى التي انعقدت خلال الشهور الماضية في العاصمة الأردنية عمّان متسعا ومتنفسا للنجاح والوصول إلى نتائج إيجابية.
ورغم ما تردد عن إمكانية انعقاد مشاورات جديدة خلال الفترة القادمة بين الحكومة اليمنية والحوثيين برعاية سعودية وأممية فإن إعلان قائدهم عبدالملك الحوثي عن التعبئة العامة خلال الأسبوعين الماضيين وأهداف هذه التعبئة، يوحي بأنه ما زالت هناك عوائق كبيرة أمام أي مسار محتمل للحل السلمي الذي تسعى إليه الأمم المتحدة وتفضله دول المنطقة انطلاقا من مشروع (خارطة الطريق) والمرجعيات الثلاث.

وفي الوقت ذاته لا تزال الحكومة اليمنية الشرعية تواجه الكثير من الصعوبات السياسية والاقتصادية والأمنية بعد أن استعادت كامل سلطتها على المناطق المحررة بدعم وموقف صارم من المملكة العربية السعودية، إذ اتضح جليا أن حجم الفراغ السياسي والأمني الذي أعقب حل المجلس الانتقالي الجنوبي يحتاج للكثير من المعالجات، خاصة مع اتضاح الحجم المهول للإيرادات العامة التي كان يسيطر عليها ويرفض تسليمها للبنك المركزي اليمني.
وهو ما يجعل الحكومة اليمنية تعمل بشكل متواصل وتعطي الأولوية لسد كل تلك الثغرات، ومعالجة كل تلك الاختلالات البنيوية في ظل وضع إقليمي ودولي معقد زادت مصاعبه نتيجة الحرب مع إيران وإغلاق مضيق هرمز.

وبشكل مفاجئ وجريء دخلت إيران مجددا الجمعة الماضية على خط الأزمة اليمنية بإرسال طائرة مدنية إلى صنعاء لتقل وفد الحوثيين للمشاركة في مراسم تشييع خامنئي، وأعقب ذلك رد فعل صارم من الحكومة اليمنية، وتحالف دعم الشرعية الذي تقوده المملكة العربية السعودية ليل الجمعة على تهديدات الحوثيين والتدخل الإيراني.
وقد جاءت هذه المستجدات لتضع الأزمة اليمنية على صفيح ساخن، وفتحت الباب أمام كل الاحتمالات بما فيها عودة المواجهات المسلحة، خاصة بعد دعوة عبدالملك الحوثي للتعبئة العامة.
وعلى كل حال فالوضع في اليمن لا يقل تعقيدا في الإجمال عن لبنان والعراق في ظل الصراعات بين سلطات معترف بها دوليا، وسلطات أمر واقع ظاهرة ومخفية، إلا أن هناك تفاصيل كثيرة يمكن أن تختلف، وفي هذه التفاصيل فإن ما قد يبدو مستحيلا في لبنان قد يبدو يسير الحل في اليمن والعكس صحيح.
ومن هنا يمكن أن تظهر مهارات الأطراف الداخلية والدول والقوى المؤثرة خارجيا في التقاط خيوط الحل، ذلك أن استعادة الحكومات الشرعية سلطاتها كاملة لن يحدث بالقوة المطلقة والصراع المسلح الذي قد يفتح الباب أمام حروب أهلية طويلة ومتجددة سيدفع ثمنها الأبرياء، وهو لن يحدث قطعا بمداراة سلطات الأمر الواقع وإعطائها ما تريد فذلك يُطمعها بالمزيد.
لذلك تبدو الصورة معقدة فلا سلام سهلا ولا حرب ناجزة، ولم يعد بالإمكان كذلك استمرار حالة اللاحرب واللاسلم؛ لأنها تذبح الغالبية من المواطنين من الوريد إلى الوريد بالمعاناة المعيشية، وتراجع وانعدام الخدمات، وما بين جزئيات كل ذلك التعقيد لا تنعدم الخيارات ولا تخبو الآمال.

تعليقات الفيس بوك
Exit mobile version