معضلة الدولة اليمنية… حين تتحول الدولة من وطن للجميع إلى غنيمة للبعض

د. عبده سعيد المغلس
عضو مجلس الشورى
26-6-2026
مقدمة
كثيرًا ما يُختزل الحديث عن أزمة الدولة اليمنية في الفساد المالي، ونهب الثروات، والاستيلاء على الموارد العامة، وكأن هذه العناوين هي جوهر المشكلة وأخطر تجلياتها.

غير أن الحقيقة أكثر تعقيدًا وأشد خطورة، فنهب المال العام، على فداحته، يبقى أثرًا من آثار أزمة أعمق، بينما تكمن المعضلة الحقيقية في أن ثقافة الفيد والغنيمة لم تكتفِ بالاستيلاء على موارد الدولة، بل أعادت تشكيل الدولة نفسها، وغيرت وظيفة مؤسساتها، وحرفت الغاية التي أنشئت من أجلها.
فالدولة الوطنية لا تقوم على وجود وزارات وجيش وقضاء وإدارة عامة بأسمائها وهيئاتها فحسب، وإنما تقوم على الوظيفة التي تؤديها هذه المؤسسات، فالجيش وُجد لحماية الوطن، والقضاء لإقامة العدل، والإدارة العامة لخدمة المواطنين، والوظيفة العامة لتحقيق المصلحة العامة، لكن عندما تتغلغل ثقافة الفيد والغنيمة في بنية الدولة، لا تُلغى هذه المؤسسات، وإنما يُعاد توجيهها تدريجيًا لخدمة جماعات النفوذ، وحماية شبكات المصالح، وتكريس الولاءات، بدلاً من خدمة المجتمع بأسره.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي، إذ لا يعود الفساد مجرد ممارسات فردية أو تجاوزات إدارية يمكن معالجتها بتغيير المسؤولين، بل يتحول إلى منطق يحكم عمل الدولة نفسها، فتتبدل معايير التعيين والترقية، وتتراجع الكفاءة أمام الولاء، وتصبح المؤسسات، رغم احتفاظها بأسمائها وقوانينها، عاجزة عن أداء رسالتها الوطنية، وعندما تصل الدولة إلى هذه المرحلة، فإنها لا تفقد جزءًا من كفاءتها فحسب، بل تفقد معناها بوصفها دولة لجميع المواطنين.

ومن هذا المنطلق، فإن فهم تعثر بناء الدولة اليمنية لا يكتمل بالنظر إلى مظاهر الفساد ونهب الموارد وحدها، بل يقتضي فهم الكيفية التي أعادت بها ثقافة الفيد والغنيمة تشكيل وظيفة الدولة ومؤسساتها، حتى أصبحت هذه الثقافة واحدة من أكبر العوائق أمام قيام دولة وطنية تقوم على المواطنة، وسيادة القانون، والمصلحة العامة.
إعادة تشكيل وظيفة الدولة: كيف تحولت المؤسسات من خدمة الوطن إلى خدمة الغنيمة؟

ليست مأساة اليمن في قلة موارده، ولا في تعاقب الحروب وحدها، ولا حتى في كثرة الانقسامات السياسية، بل في أزمة أعمق وأكثر تعقيدًا، أزمة تتعلق بفكرة الدولة نفسها.

فالدولة التي وُجدت لتحمي المواطن، وتحقق العدالة، وتصون الحقوق، تحولت عبر عقود طويلة إلى ساحة تتنافس فيها القوى على اقتسام النفوذ والثروة، حتى غدت مؤسساتها تُدار بمنطق الغنيمة لا بمنطق الخدمة العامة.
وعندما تصبح السلطة غاية في ذاتها، لا وسيلة لخدمة الناس، تتغير وظيفة كل مؤسسة في الدولة دون أن يتغير اسمها، تبقى الوزارة وزارة، والجيش جيشًا، والقضاء قضاءً، لكن المواطن يكتشف أن هذه المؤسسات لم تعد تعمل من أجله، بل من أجل من يسيطر عليها، وهنا تبدأ المعضلة الحقيقية التي عطلت بناء الدولة الوطنية في اليمن.

لقد رسخت ثقافة الفيد والغنيمة فكرة خطيرة مفادها أن الوصول إلى السلطة يعني امتلاك الحق في توزيع المناصب والموارد والامتيازات على الأقارب والموالين والحلفاء، ومع مرور الزمن، لم تعد هذه الممارسات مجرد تجاوزات عابرة، بل تحولت إلى قواعد غير مكتوبة تحكم أداء المؤسسات أكثر مما تحكمها القوانين والدساتير.

وفي ظل هذه الثقافة، لم يعد معيار التوظيف هو الكفاءة، ولا معيار الترقية هو الإنجاز، وإنما أصبح الولاء هو الطريق الأقصر إلى النفوذ، وأصبح الموظف يتعلم منذ يومه الأول أن نجاحه لا يرتبط بإتقانه لعمله، بل بقدرته على بناء العلاقات مع مراكز القوة، وأن المحافظة على المنصب قد تكون أهم من خدمة المواطن.

وهكذا تتغير وظيفة المؤسسة من الداخل، فالجيش الذي ينبغي أن يحمي الوطن قد يُستنزف في حماية موازين القوى الداخلية، والإدارة العامة التي وجدت لخدمة الجميع تتحول إلى وسيلة لتوزيع الامتيازات، والوظيفة العامة التي يفترض أن تكون تكليفًا لخدمة المجتمع تصبح أداة لصناعة الولاءات السياسية والاجتماعية.
والأخطر من ذلك أن هذه الثقافة لا تحتاج إلى أشخاص بعينهم كي تستمر، لأنها تتحول مع الزمن إلى جزء من بنية المؤسسة نفسها، يدخل الموظف الجديد فيجد قواعد غير مكتوبة سبقته، فيتأقلم معها إذا أراد البقاء، ثم ينقلها إلى من يأتي بعده، وهكذا تعيد المؤسسات إنتاج الأزمة جيلاً بعد جيل، حتى يصبح الإصلاح أكثر صعوبة من استمرار الخلل.

لهذا السبب لم تكن المشكلة اليمنية يومًا مجرد فساد إداري أو سوء إدارة أو تغيير حكومات، بل كانت أزمة في فلسفة إدارة الدولة، فكلما غلب منطق الغنيمة على منطق المواطنة، تراجعت ثقة الناس بالدولة، واتسعت الفجوة بينها وبين المجتمع، وازدادت الولاءات الضيقة على حساب الانتماء الوطني الجامع.

إن بناء الدولة لا يبدأ ببناء المباني ولا بإصدار القوانين فحسب، وإنما يبدأ بإعادة تعريف وظيفة السلطة باعتبارها مسؤولية تجاه المجتمع، لا مكسبًا لمن يصل إليها، فالدولة الحقيقية لا تُقاس بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة، وصيانة الحقوق، وتكافؤ الفرص، وإخضاع الجميع لسيادة القانون.

خاتمة
لن يخرج اليمن من دوامة الأزمات ما دامت الدولة يُنظر إليها باعتبارها غنيمة يتقاسمها المنتصرون، لا وطنًا يتساوى فيه جميع المواطنين، فثقافة الفيد والغنيمة لم تسرق المال العام فقط، بل سرقت معنى الدولة، وأضعفت ثقة الناس بها، وحولت مؤسساتها من أدوات لبناء المستقبل إلى أدوات لإدارة الصراع.

ولهذا فإن معركة اليمن الحقيقية ليست فقط معركة إنهاء الحرب، بل معركة استعادة فكرة الدولة نفسها، دولة تكون فيها الوظيفة العامة خدمة لا امتيازًا، والسلطة مسؤولية لا غنيمة، والمواطنة حقًا متساويًا لا منحة تمنحها موازين القوة، وعندما ينتصر هذا المفهوم، يمكن لليمن أن يبدأ رحلته الحقيقية نحو الدولة الوطنية التي حلم بها أبناؤه طويلًا.

ونأمل أن تكون معركة مواجهة ثقافة الفيد والغنيمة واستعادة فكرة الدولة هي معركة مجلس القيادة الرئاسي بكل أعضائه والحكومة بكل أعضائها والأحزاب والمكونات السياسية.

تعليقات الفيس بوك
Exit mobile version