الأصل في اليمن أن الحكمة تقود والطاقة تبني

عبد السلام الحاج .
أليس من المفترض أن تنتزع الأجيال الشابة مواقعها في القيادة بالكفاءة والقدرة والمبادرة، لا أن تظل تنتظر من القيادات الطاعنة في السن أن تتنازل لها طوعاً عن السلطة والنفوذ؟ أم أننا أخطأنا فهم حركة التاريخ حين تصورنا أن التغيير يُوهب ولا يُنتزع؟ وأنا هنا لا ادعوا لصراع بين الأجيال إنما شراكة من أجل اليمن .
من يتأمل حال اليمن يدرك أننا أمام معضلة فلسفية وسياسية عميقة؛ فالشباب يشكون من غياب الفرص، ومن بطء التغيير، ومن تمسك الوجوه ذاتها بالمواقع ذاتها لعقود طويلة، بينما يرى كثير من الكبار أنهم دفعوا أثماناً باهظة من أعمارهم وتجاربهم حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، وأن من حقهم أن يستمروا في أداء أدوارهم.
لكن السؤال الحقيقي ليس: من المخطئ؟
بل: هل يمكن لوطنٍ يواجه تحديات بحجم اليمن أن يكتفي بالحكمة دون طاقة؟ أو بالطاقة دون حكمة؟
لقد أثبتت التجارب أن الحكمة بلا قدرة على الحركة تتحول إلى ذاكرة جميلة، وأن الحماس بلا خبرة قد يتحول إلى اندفاع مكلف. والأمم الناجحة ليست تلك التي تنتصر فيها الشيخوخة على الشباب، ولا تلك التي يقصي فيها الشباب آباءهم، بل تلك التي تنجح في صناعة شراكة تاريخية بين طاقة الأبناء وخبرة الآباء.
ولعل أكثر ما يدعو للتأمل أن كثيراً من القيادات الشابة التي نطالب بها اليوم، إذا انتظرت حتى ترث مواقعها بعد عقود، ستجد نفسها وقد بلغت العمر ذاته الذي ننتقده الآن. وعندها سيأتي جيل جديد يطالبها هي أيضاً بالتنحي وتشبيب القيادة.
وهنا تكمن المعضلة.
فهل نريد أن تبقى اليمن أسيرة دورة لا تنتهي، ينتظر فيها الشباب حتى تشيب رؤوسهم، ثم يتمسكون بالمواقع التي انتظروها طويلاً؟ أم نريد أن نكسر هذه الحلقة لأول مرة في تاريخنا السياسي، فنؤسس لانتقال طبيعي ومنظم تتعانق فيه حكمة الكبار مع طاقة الشباب، ويصبح تجديد القيادة ثقافة وطنية لا معركة أجيال؟
إن الأمم لا تنهض حين ينتصر جيل على جيل، بل حين ينجح جيلان في حمل الراية معاً.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نفكر فيه جميعاً:
إذا كانت القيادات الحالية لم تصل إلى مواقعها إلا بعد أن أفنت أعمارها في الانتظار والصراع والعمل، فهل تظنون أنها ستتمسك بها حتى آخر العمر كما فعل من قبلها؟ أم أنها ستضحي بجزء من نفوذها لتصنع نموذجاً جديداً يخفف معاناة اليمن، ويجمع حكمة الكبار بطاقة الشباب، قبل أن تضيع أعمار جيلٍ آخر في طور الإنتظار .



