الحجرية لن تعود لعصور المشيخة

د. فياض النعمان
الحجرية ليست منطقة يمكن إعادة تشكيل وعيها وفق رغبات شيخ أو نافذ يبحث عن نفوذ اجتماعي أو سياسي فالأرض التي عرفت التعليم والانفتاح والعمل المدني والتعاونيات منذ عقود تجاوزت فكرة الشيخ المتحكم بمصير الناس والوصي على قراراتهم ومواقفهم والمجتمع في الحجرية بنى حضوره على الوعي والكرامة والاستقلالية لا على التبعية والانقياد.
وعندما يحاول أي شخص أن يفرض نفسه بوصفه شيخ المشايخ أو المرجعية العليا للحجرية فهو يصطدم بحقيقة تاريخية واجتماعية واضحة فأبناء الحجرية لا يؤمنون بثقافة التقديس ولا يقبلون أن يتحول المجتمع إلى تابع لشخص مهما امتلك من المال أو النفوذ أو العلاقات والمكان الذي أسقط هيبة المشيخة التقليدية منذ سنوات طويلة لن يسمح بإعادتها بثوب جديد أو بشعارات مختلفة.
الحجرية كانت دائما بيئة تنتصر للفرد الحر وللمجتمع المتماسك القائم على الاحترام المتبادل لا على سلطة الشيخ والعصبية المناطقية وأي محاولة لإحياء عصور المشيخة لن تجد سوى الرفض الشعبي والسخرية السياسية والناس اليوم أكثر وعيا من أن يتم اختزالهم في ولاءات شخصية أو مشاريع نفوذ ضيقة.
المشكلة أن بعض النافذين ما زالوا يعتقدون أن بإمكانهم شراء الولاءات أو صناعة المشيخة عبر المال والإعلام والمجاملات السياسية ولكنهم لا يدركون أن المجتمع تغير وأن الأجيال الجديدة لم تعد تؤمن بفكرة الشيخ الذي يحتكر القرار ويتحدث باسم الجميع والحجرية اليوم تتحدث بلغة الدولة والقانون والمؤسسات لا بلغة المشيخة والإقطاع الاجتماعي.
لا أحد يرفض الاحترام الاجتماعي أو المكانة التي يصنعها الحضور الإيجابي وخدمة الناس ولكن الفرق كبير بين شخصية تحظى بالاحترام وبين مشروع يحاول إعادة إنتاج الوصاية على المجتمع وأبناء الحجرية قادرون على إدارة شؤونهم والدفاع عن مناطقهم دون الحاجة إلى شيخ يفرض نفسه عليهم أو يتعامل معهم كأتباع.
الحجرية ستظل منطقة عصية على مشاريع النفوذ التقليدي وتاريخها الاجتماعي والسياسي يؤكد أنها اختارت منذ وقت مبكر طريق المدنية والوعي ورفض التبعية ولهذا فإن كل من يحاول إعادتها إلى عصور المشيخة يخوض معركة خاسرة منذ اللحظة الأولى.



