من ذاكرة الفتى المؤتمري “1”

– سام الغباري *

وراء الشارع الرئيسي للمدينة كان حيُّنا الأول؛ عند الزاوية ينتصب منزل العم محمد شرهان، الاشتراكي المهاب، أشدّ الناس شبهًا بـأبوبكر سالم، حتى إنني في صباي كنت أظنه هو. وأمام منزلنا تقيم عائلة العلواني: العم مسعد وأبناؤه؛ نصفهم منتمون إلى «تجمع الإصلاح». وفي الشمال الشرقي تقبع عائلة غامضة، لا يُفتح بابها إلا مواربًا. هناك نشأتُ، بين الغموض والإصلاح والاشتراكية. لم يكن أحد من عائلتي «مؤتمريًّا»؛ فقد شغلتهم التجارة عن السياسة التي كانوا يتداولونها على مائدة الغداء، ونحن نتحلّق حول كبيرها، جدّي، الذي لا تمتدّ يد إلى الطعام قبله. وعند توزيع اللحم، يجب أن تقول: «سلّمه»، أي شكرًا لك يا جدّي، وإلا فويلٌ لمن سها أو غفل.

كانت لنا تسميات غريبة للأماكن؛ فالصالة نسمّيها «الحِجرة»، والغرفة «الخلوة». وكان أهل المدينة يسخرون من لهجتنا الريفية؛ إذ كنّا من أوائل من وُلدوا في المدينة، وكان أبي يخشى أن ننطق بلهجتهم. إذا وصفوا الجري قالوا: «يهذِل»، وإذا سألوا قالوا: «ليه»، أمّا نحن فنُلحق حرف الشين بآخر الحديث عند مخاطبة المؤنث: «كيفِش؟» «إيش أخبارِش؟». وإذا تعجّبنا من فعل ما، قلنا: «إنيتَلِش! ما أقلَّ عقلِش!»… هل فهمتم شيئًا؟

في ظلّ هذا السياق، كان من يُصلّي بانتظام يُوصم بأنّه «مطوّع» أو «وهابي»، وكأنّ الذي لا يُصلّي إنسان صالح. وذات مرّة، أتذكّر أنّي كنت أُصلّي العصر إلى جوار العميد طارق صالح في منزله، فدخل أحدهم، فهاله ما رأى، وصاح بي واصفًا إيّاي بالوهابي. ولمّا انتهيت من الصلاة، زاد فقال إنّي «إخواني». فسألته: أليس غيرهم يُصلّي؟ إنّك بهذا تمنحهم الإيمان دونًا عن سائر الناس. وذلك، في حدّ ذاته، أمر حسن.

على الشارع الرئيسي، تقريبًا بجوار معرض الألبسة الذي يملكه والدي، كان يقع بيت المراني، الذي استأجره حزب الإصلاح. كان ذلك الحضور السياسي قريبًا من كل ما يمسّ جوهر المدينة، الغريب عمّن يُوصَفون بـ«المطاوعة». حاولت الانضمام إليهم، لكنهم كانوا يُكثِرون من الصلاة، وابتساماتهم بدت متكلّفة، وأخلاقهم فائضة إلى حدّ يجعلني مؤدّبًا على الدوام؛ ولا أريد ذلك. لم أكن أستطيع الالتزام بكل هذا.

أتذكّر أنّي سمعت بشيء يُدعى «اتحاد شباب الميثاق». كان رئيسه فؤاد عبدالرزاق، الفتى الأنيق الذي كان يحدثنا كيف فاز في الانتخابات على منافسه «خالد القحطي»، وهو رجل تربوي يتحدث بلهجة شيخ حادّ. كان فؤاد منّا، قريبًا من أعمارنا؛ أناقته لا تُجارى، وقلبه واسع، وإدارته فطرية، والسياسة تمضي في دمه. وقد اجتهد، بدعم من والده، رئيس مؤتمر المحافظة، في طباعة بطاقات عضوية للاتحاد، وكانت لي أول بطاقة تحمل توقيعه. وهكذا صرت رسميًا عضوًا في الاتحاد، منتسبًا إلى المؤتمر الشعبي العام، وكان عمري آنذاك أربعة عشر عامًا.

أتذكّر ابتسامتي، وتلك الأيام والسنوات التي عشتها داخل مقرّ المؤتمر الشعبي العام، كأنه منزلنا؛ حيث محمد الصومعي، ثم شقيقه أحمد، الذي تولّى شؤون المبنى بعد احتراق الفرع وتضرّر شقيقه، والرجل المهيب: أحمد عبدالرزاق مدير عام الفرع، وفيصل العلواني، جارنا الرصين الذي كان يبدو بعيدًا، والراحل عبدالسلام النهاري، رئيس اللجنة الفنية، والأستاذ المهاب، الإداري القدير أحمد الورقي، نائب رئيس الفرع، ومحمد علي علوي، المخرج الفني لكل إصدارات المؤتمر، الذي علّمني كل شيء في الرؤية الإخراجية للصحف. كان أخًا وأبًا؛ وحين كنّا نصدر صحيفة «أشم»، كنت آتي إليه بالأوراق والمواد مكتوبة، وأقرّر السهر معه، ثم أغفو على الأريكة.

ومضت ثلاثة أعوام، وصرت عضوًا مهمًا في اللجنة الإعلامية للمؤتمر، وكانوا يدفعون لنا مقابل ذلك العمل. كان المقر أشبه بخلية نحل؛ هناك عرفت الجميع: البرلمانيين وصورهم، السياسيين، مديري العموم، الوكلاء، واجتماعات مع المحافظ عبدالواحد الربيعي. وكنت أشعر أنّني مسؤول عن كوكب الأرض، أجد في العمل التنظيمي سعادة غامرة، وأفرح لفوز أعضاء البرلمان الذين ترشّحوا.

كانت صحيفة «الميثاق» والنشرات الدعائية، بألوانها الحمراء والصفراء، المطبوعة على ورق (A4)، تصل يوميًا لتوزيعها، وكنت أحتفظ من كل إصدار بخمسين نسخة على الأقل؛ فقد كنت مولعًا باقتناء المطبوعات. وللمرة الأولى تعرّفت إلى جهاز «الفاكس»؛ كنت أكتب أولى مقالاتي على كمبيوتر الفرع، ثم أرسلها إلى الجهاز في الغرفة الأخرى. كنت ألهو بعقل طفل لا يريد النضوج.

اتصلت بأحمد الشرعبي، رئيس تحرير «الميثاق»، ليكتب في الصفحة الأخيرة من «أشم» مقالًا بعنوان «ظفائر العدم». سمعت صوته في الهاتف، ولم أصدق أنني أتحدث إليه، واحتفظت بالمقال حتى بهت حبره. وفي العدد الذي يليه، اتصلت بالراحل محمد عبدالاله العصار، رئيس تحرير صحيفة «الوحدة»، فكتب مقالًا جميلًا عنّي. ثم سافرت إلى صنعاء، والتقيت بالفنانة التشكيلية الأستاذة آمنة النصيري، وطلبت منها مقالًا نشرته في الصفحة الأخيرة؛ وكان جمالها لافتًا في تلك السنوات التي كان الخِمار فيها يضرب أطنابه في الطرقات والشوارع.

اعترض كثير من شيوخ المؤتمر على نشر صورتها، ولم أُعر اعتراضهم اهتمامًا؛ كنت أمضي. وفي نهاية الفعل الانتخابي انتصرنا، وتلقيت شهادة تقدير من الدكتور الراحل عبدالكريم الإرياني، الأمين العام للمؤتمر الشعبي العام. أتذكّرها تكريمًا يُحسد عليه، كأنّه قِطع من جواهر نادرة.

وما تزال الذاكرة تتحدّث عن تفاصيل الحياة السياسية، حيث كان التنافس محمودًا، وكان البحث عن السلطة لا يمرّ إلا عبر صناديق الاقتراع. حتى سقطت ميليشيا الحوثي الإرهابية مثل بلاء على مدننا، فقتلت زعيمنا ورفاقه، وأناخت بثقلها على مقارّنا، وأذاقت كلّ من عرفناهم وأحببناهم الجوع والفقر والخوف.

لهذا نقول، ببراءة صبانا الذي عاش مؤتمريًا: سيعود كل شيء أنقى مما كان، وسنلتقي مرة أخرى هناك. وقد بدأنا بلجنة «تيار استعادة دور المؤتمر الشعبي العام»، ليروي كلّ واحد منا حكايته الأولى مع الحزب والتنظيم الذي عاش فيه، وعاش فينا إلى الأبد.

.. وإلى لقاء يتجدد

– عضو اللجنة الدائمة الرئيسية

تعليقات الفيس بوك
Exit mobile version