بقلم : سام الغـُبـاري
أبدأ من حيث بدأ، من السقيفة. فأبو بكر الصديق لم يحتج على الأنصار بنص نبوي، تحدث بهدوء عن عُرف اجتماعي: العرب لا تعرف هذا الأمر إلا لقريش. هذه حُجة واقع سياسي، وليست حجة وحي من الله عز وجل، أو قول من الرسول عليه الصلاة والسلام. ولو كان في يد المهاجرين حديث صريح يحصر الأمر فيهم، لما قال الأنصار “منا أمير ومنكم أمير”، ولما احتاج أحد إلى عُرف العرب وقبائلها. فالحديث القاطع لا يُترك في الجيب ساعة النزاع الأخطر في تاريخ الأمة ثم يُستخرج بعد عقود في كتب الفقه.
بل إن عمر بن الخطاب نفسه، وهو صانع السقيفة كما يتحدثون، يُروى عنه أنه تمنى لو كان سالم مولى أبي حذيفة حيًّا ليوليه. وسالم ليس قرشيًّا ولا حتى عربي النسب. وفي مسند أحمد أنه ذكر معاذ بن جبل خليفة محتملًا، ومعاذ أنصاري خزرجي. فأين الإجماع الذي يحكيه النووي؟ إجماع نقضه عمر قبل أن يولد ناقلوه.
ثم إن الأحاديث التي استند إليها الفقهاء جاءت في صيغها الصحيحة مشروطة: يبقى هذا الأمر في قريش “ما أقاموا الدين”. أي أنها وصف لحال، ووعد معلّق بشرط، ولم يكن صكّ ملكية أبدي. لكن السياسة تحتاج دائمًا إلى نص، فتأخذ الوصف وتحذف الشرط، وتحوّل الخبر إلى قانون. وبهكذا إغواء تُصنع الشرعيات، حيث يُسرَّب النص من سياقه إلى البلاط.
والدليل الأقوى أن القرشية، كانت مشروعًا سياسيًا تحشد الناس تحت رايته، فإنها لم تعش طويلًا. وإذ ثار العباسيون على بني أمية لم يُرفع شعار “الأئمة من قريش”. وكيف يرفعونه وخصمهم الأموي قرشي مثلهم؟ لقد استبدلوه بشعار آخر تمامًا: الرضا من آل محمد!. تركوا قريش وتعلّقوا بالبيت. ثم حين نازعهم محمد النفس الزكية، لم يتجادل الطرفان في القرشية، ظهرت الخصومة في القرابة: المنصور يحتج بأن العمّ أولى بالميراث من ابن البنت. صار الصراع داخل البيت الهاشمي، وخرج من قريش ولم يعد إليها. ماتت قريش كراية تعبئة على أبواب الكوفة سنة 132هـ، وحلّت محلها فكرة “الآل”.
ولم يكن التاريخ السني بحاجة إلى معركة لدفن القرشية، فقد واراها أهلها بالعقل. اقتبس الأستاذ عزان من ابن خلدون سطرًا واحدًا، وترك ما بعده. فصاحب “المقدمة الخلدونية الشهيرة” سأل السؤال الذي لم يسأله غيره: لماذا قريش؟ وأجاب بأن قريش كانت يومها أقوى العرب شوكة وأوسعهم نفوذًا، والناس لا يجتمعون إلا على من يقدر على جمعهم وحمايتهم. فالشرط عنده ليس ولم يكن دمًا يجري في العروق، لقد عرف ابن خلدون أن القوة لازمة لحفظ الأمة. فإذا انتقلت القوة إلى غير قريش، انتقلت معها الأحقية. هكذا حوّل ابن خلدون “الأئمة من قريش” من صكّ وراثة إلى وصف لموازين زمن مضى. والعجيب أن الأستاذ عزان استدعى الرجل الذي هدم الفكرة ليشهد على بقائها.
ثم جاء العثمانيون، فعاش جمهور أهل السنة أربعة قرون تحت خلافة تركمانية لا تمت إلى قريش بصلة. لم تخرج ثورة واحدة باسم القرشية، ولم يُكفَّر أحد. ماتت الفكرة بلا جنازة، لأنها لم تعد تعني لأحد شيئًا.
اسألوا أنفسكم اليوم: أين الحزب القرشي؟ أين الجماعة المسلحة التي تقاتل لإعادة الحكم إلى بني مخزوم أو بني عبد شمس؟ لا يوجد. لا في الرياض، ولا في القاهرة، ولا في إسطنبول. القرشية اليوم فصل في كتب التاريخ، يدرسه الطلبة ويمرّون عليه كما يمرّون على نظام الإقطاع.
أما “البطنين” فشيء آخر. سُلالة، وظيفة vip بحكم الولادة، وقد أثبتت أنها وثيقة موقّعة. ففي عام 2012، أي في القرن الحادي والعشرين، مهر رئيس الميليشيا الحوثية مع رجال دين زيود ما سُمّي “الوثيقة الفكرية والثقافية”، وفيها تقرير الاصطفاء لذرية الحسن والحسين وحصر الولاية العامة فيهم. هذه الفكرة التي لم تمت، تقتلنا اليوم. إنها تملك جيشًا ومدارس وخُمسًا وصرخة وسجونًا. إنها تحكم مدنًا يعيش فيها ملايين اليمنيين.
لهذا فإن قول الأستاذ عزان بإن الاعتراض يجب أن يتناول المبدأ في التراث السني والزيدي معًا، صحيح في المنطق النظري، لكنه مضلل في الواقع. فالطبيب الذي يقول لمريض ينزف إن عليه أن يعالج أيضًا كسرًا قديمًا التأم قبل ألف عام، يصبح طبيبًا غير منصف، لأنه يصرف النظر عن النزيف، وعن خطر الموت بسببه.
أحترم في الأستاذ عزان شجاعته. فقد رفض النسب شرطًا للحكم، وهذا موقف يُحسب له وسط بيئة لا ترحم. لكن الشجاعة الكاملة أن يسمّي الخطر باسمه. فالقرشية هُزمت منذ أن رفع العباسيون شعار “آل محمد”. والسؤال الذي يجب أن يُكتب على جدار كل مجلس في صنعاء ليس: لماذا اشترط النووي القرشية؟ وإنما: لماذا ما زال رجل في كهف مرّان يعتقد أن الله اختاره ليحكمنا بدمه؟
الجمهورية لم تقم في وجه قريش. ثارت في وجه الإمام.
.. وإلى لقاء يتجدد
