——
عبدالرزاق احمد الهجري
27 اكتوبر 2026
حين يُذكر الصبر في تاريخ اليمن الحديث، تُذكر تعز ،وحين يُسأل عن المدينة التي أعطت أكثر مما أخذت، يأتي الجواب من جبل صبر ووادي الضباب والحجرية والمعافر.
لم تبخل تعز على اليمن يومًا ،
ففي كل مستشفى طبيبٌ من أبنائها، وفي كل مدرسة معلمٌ تعزّي، وفي كل ورشة ومعمل وجامعة ومشروع يد تعزية ماهرة، تعز أنجبت المهندس والصيدلاني والمحامي والأكاديمي، وأنجبت الشاعر والمفكر والعالم والأديب، وأنجبت الحرفي الذي أتقن صنعته في مجالات شتى ،خرجت من أبنائها أجيالٌ تعلّمت وعلّمت، وحملت العلم إلى كل مكان، ولم تطلب مقابلًا سوى أن يبقى اليمن عزيزًا.
هذه مدينة بنت عظمتها بالفكر والثقافة والكتاب والقلم والمهنة قبل أن تبنيها بغير ذلك، وجعلت من الثقافة هويةً ومن العمل كرامةً.
ولأن تعز هكذا، كانت هدفًا لانتقام مشروع الحوثي الايراني الطائفي . فمشروعٌ قائم على الاستعلاء والسلالة والخرافة لا يطيق مدينة علّمت اليمنيين أن الكرامة بالعلم والعمل لا بالنسب، وأن المواطنة تعلو على كل امتياز مزعوم فجاء بمقاتليه وقناصيه وألغامه وقذائفه، وأحكم الحصار على المدينة، وقطع الطرق عن أهلها، وحوّل الطريق إلى المستشفى والجامعة والسوق إلى رحلة محفوفة بالموت ،واستمر في قصف احياءها السكنية وقراها واوقع المئات شهداء وجرحى وما تلك الام التي حملت جثة ابنتها على كتفيها في احدى قرى صبر إلا نموذجاً لجرائم الارهاب الحوثي بحق تعز وابناءها.
ومع ذلك صمدت تعز ،
صمدت بأهلها ،بالأم التي تلهم ابناءها الكفاح والنضال من اجل العزة والكرامة، وبالطبيب الذي يعمل في أقسى الظروف لعلاج من يحتاج لذلك وفوق ذلك يحمل البندقية دافعاً عن تعز وانتصار للقضية الوطنية وبالمعلم الذي يواصل التدريس تحت ازيز الرصاص،بالاستاذ الجامعي الذي يشارك طلابه القاعة الجامعية ومترس الكرامة وبالشاب الذي بترت احد اطرافه وهو مصر على الاستمرار في الدفاع عن أرضه وبيته مع بقية رفاقه .
لقد كتب أبناء تعز بصبرهم صفحةً من أنصع صفحات اليمن الحديث، وأثبتوا أن المدينة التي تُحاصَر بالحديد والنار يمكن أن تنتصر بالإرادة والثبات.
إلى تعز، برجالها ونساءها وشهداءَها وجرحاها ومرابطيها لكم منا الإجلال والإكبار لقد دفعتم الثمن غاليًا، وبقيتم شامخين ،
وما قدمتموه ليس دفاعًا عن مدينة فقط، بل دفاعٌ عن فكرة اليمن الذي يتسع لأبنائه جميعًا القائم على العدل والمواطنة المتساوية والذي يكون الشعب فيه سيد نفسه ولا سيداً عليه ،
ستظل أسماء شهدائكم وصمود نسائكم ورجالكم عنوانًا للكرامة في ذاكرة الوطن.
إن الوفاء لتعز لا يكفيه الثناء، فصمودها يحتاج إلى سند حقيقي :فتح الطرق ورفع الحصار، وإيصال الغذاء والدواء، ودعم مستشفياتها ومدارسها، وإغاثة أهلها، وتحرير ما تبقى من محيطها. على الدولة والمجتمع والقوى كلها أن تجعل من فك الحصار عن تعز أولوية وطنية لا تقبل المساومة، فمن يتخلى عن تعز يتخلى عن الوطن الذي نحلم به جميعاً.
وإلى أبناء القبائل في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثي، لا تدفعو بابنائكم الى حروب ايران التي يقودها الحوثي نيابة عنهم من اجل ترسيخ الهيمنة الفارسية على دول المنطقة ويسعى الحوثي من خلالها لاستعباد اليمنيين وفرض افكاره الطائفية والسلالية،فلا تقبلو بان يجركم الى قتال اخوانكم في تعز . فتعز ليست خصمًا لكم، بل هي أخٌ وجارٌ وشريكٌ في الأرض والتاريخ والمصير ،وقد قدّمت لكم، كما قدّمت لغيركم، طبيبًا عالج مريضكم ومعلمًا علّم أبناءكم وحرفيًا شاركتموه العيش.
لا تكونوا وقودًا لحرب لا تخدم إلا من يريد أن يقتلكم بأيدي إخوانكم، ولا تستجيبوا لمن يزجّ بكم في معارك لا ناقة لكم فيها ولا جمل.
ما كسبته مليشيات الحوثي من حشدكم تأخذه لنفسها، وما خسرتموه من دماء أبنائكم تدفعونه أنتم ،فاحفظوا أبناءكم، وارفعوا أصواتكم بالرفض، وليكن موقف القبيلة الأصيل هو الامتناع عن قتال اخوانهم في تعز او اي منطقة يمنية اخرى ،
ختاما ستبقى تعز كما كانت مدينة العلم والثقافة والصمود والاباء ، وسيمضي الحصار كما مضت قبله حصارات، وتبقى المدينة التي لا تنحني ،
وعلى اليمنيين جميعًا أن يتذكروا أن الدفاع عن تعز هو دفاعٌ عن وجه اليمن الحضاري، وأن اليوم الذي يُرفع فيه الحصار عنها سيكون يومًا من أيام اليمن الكبرى.
المجد لتعز، والخلود والرحمة لشهدائها، والنصر لشعبنا ووطننا.
