سأحتفل هذا العام بـ26 سبتمبر بخطاب الرئيس

عبدالسلام الحاج

قرع فخامة رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي طبول مرحلة جديدة، ودعا إلى التعبئة العامة والنفير الوطني، والالتفاف حول القوات المسلحة والأمن، لاستعادة مؤسسات الدولة وبسط سيادتها على كامل التراب الوطني وصولاً إلى صنعاء.

ومنذ لقائي الأول بفخامة الرئيس، وجدت أنه يحمل تصوراً أوسع للدولة، يقوم في جوهره ـ كما فهمته ـ على تعزيز العقد الاجتماعي بين السلطة والشعب؛ فلا سلطة على الشعب بالقوة أو بغير إرادته، ولا مكان لمصادرة حقه في اختيار من يحكمه، في مقابل فكرة «الحق الإلهي» التي تلغي حق الشعب وسلطته على السلطة.

اليوم يختلف عن الأمس.

وحبل النجاة الذي امتد طويلاً لهذه الفئة الباغية يكاد ينقطع، لتطوى حقبة من الفوضى، ويواجه اليمنيون نزعة الكهنوت القديم التي سجنت شعبنا عقوداً، وعزلته عن العالم، ولم تترك له من إرثها سوى الجهل والفقر والمرض والتخلف.

غبي من يختبر صبر الشعوب، وجاهل من لا يفهم أبجديات احتياجاتها.

تريد المليشيا الحوثية إقناع الناس بأنها قادرة على البقاء، بينما تحمل في ممارساتها عوامل زوالها؛ أسقطت الدولة، وعطلت المؤسسات، ونهبت الموارد، وقطعت الرواتب، ونشرت الخوف، وكان الموت أكثر ما وفرته بيسر عبر محارقها التي دفعت إليها بالأطفال والمغرر بهم، بينما بقي المقربون منها ليتسيدوا على من تبقى ممن ضحت بأهلهم وذويهم.

والرئيس اليوم، وهو يعلن التعبئة والنفير، لا يتحدث ـ في قراءتي ـ من باب الاستعراض، ولا بخطاب شعبوي عابر؛ بل يتكئ على شعب عنيد، ويأوي إلى ركن شديد.

شعب يرفض الضيم ولا يقبل الذل، ويبحث عن فجر وطن طال اختباؤه خلف هذا الليل.

وفي هذه المعركة لا يقف اليمن وحيداً، بل إلى جواره أشقاؤه وفي مقدمتهم المملكة العربية السعودية، التي قادت تحالف دعم الشرعية، وأعلنت منذ البداية وقوفها مع الدولة اليمنية ومؤسساتها، وما زال الرئيس في خطابه الأخير يطلب من الأشقاء والأصدقاء مساندة هذا التحالف بقيادة المملكة لاستعادة مؤسسات الدولة.

وعندما نمتلك جاراً بهذه المكانة وحليفاً بهذه المقومات، نستطيع كيمنيين أن نخوض معركتنا ورؤوسنا مرفوعة؛ ندرك أن ظهرنا ليس مكشوفاً، وأن معنا شقيقاً يشارك بلادنا عسرها ويسرها.

قضيتنا واضحة: استعادة الدولة ومؤسساتها وحق اليمنيين في وطن تحكمه الجمهورية والقانون.

لقد جلب المشروع الحوثي الخراب للبلاد منذ يومه الأول، ثم راكم مع مرور السنوات عوامل الدمار، وفتح على الشعب جبهة بعد أخرى من الويل والمعاناة، حتى أصبح خطره لا يتوقف عند حدود اليمن، بل يمتد إلى أمن المنطقة والبحر الأحمر وباب المندب.

والمفارقة أن الدولة، حتى وهي تخوض هذه المواجهة، مطالبة بأن تظل دولة؛ تحمي مصالح المواطنين بمن فيهم أولئك الواقعون تحت سيطرة المليشيا، وألا تغامر بحياتهم أو تقامر بمستقبلهم.

ومن هنا أقرأ إعلان الرئيس فتح باب العودة الآمنة إلى صف الجمهورية والشرعية الدستورية، والعفو الشامل ـ وفق الإجراءات الدستورية والقانونية ـ لكل من يترك المليشيا ويتوقف عن القتال أو العمل لصالحها.

إنه باب مفتوح أمام من غُرر بهم أو أُرهبوا ودُفعوا إلى مواجهة شعبهم والوقوف ضد مصالحه لحساب مشروع لا يخدم اليمنيين.

والخلاصة أن الحال اليوم مختلف، ومن الطبيعي أن تكون حسابات المرحلة مختلفة أيضاً.

شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً، أحزاباً وقبائل ومكونات سياسية، ثمة مساحة وطنية يمكن أن يجتمع فيها اليمنيون حول الدولة والجمهورية، رغم ما بينهم من تباينات حقيقية لا ينبغي إنكارها.

وفي جبهة الشرعية نفسها خلافات وقضايا مؤجلة، والقضية الجنوبية أبرز مثال. لكن اللافت اليوم أن هذه القضية وُضعت في مسار الحوار الجنوبي ـ الجنوبي برعاية سعودية، وقد جدد رئيس مجلس القيادة في خطابه التزامه بما يفضي إليه ذلك الحوار بما يضمن حلاً عادلاً وشاملاً للقضية الجنوبية.

وهذا يعني أن اختلاف الرؤى لا يلغي إمكانية الاجتماع أمام الخطر المشترك، وأن الخلافات السياسية يمكن أن تجد طريقها إلى طاولة الحوار بدلاً من أن تتحول إلى سبب لتمزيق الجبهة الوطنية.

وليس اليمنيون وحدهم من يدركون خطورة استمرار المليشيا وسيطرتها على أجزاء من البلاد؛ فموقع اليمن الاستراتيجي، وإشرافه على باب المندب والبحر الأحمر، جعلا ما يحدث فيه متصلاً مباشرة بالأمن الإقليمي والدولي، وهو ما أظهرته تطورات السنوات الأخيرة بوضوح.

ولهذا فإن استعادة الدولة ليست مجرد معركة على الأرض، بل معركة على شكل اليمن الذي نريده بعد كل هذه السنوات: دولة أم مليشيا؟ جمهورية أم كهنوت؟ مؤسسات أم جماعة مسلحة؟ ومواطنة متساوية أم ادعاء بالحق في الحكم بسبب النسب والسلالة؟

وفي ذكرى السادس والعشرين من سبتمبر، تكفي نظرة إلى احتفالات اليمنيين بهذه الثورة لندرك ماذا بقي حياً في وجدان هذا الشعب بعد كل ما مر به.

بقيت الجمهورية.

وبقيت فكرة الدولة.

وبقي اليمنيون ينتظرون اليوم الذي يصبح فيه الاحتفال بسبتمبر احتفالاً بوطن استعاد دولته وسلامه وحق أبنائه في اختيار مستقبلهم.

ولهذا سأحتفل هذا العام بـ26 سبتمبر بطريقة مختلفة:

سأحتفل بخطاب رئيس الجمهورية، وبالمعنى الذي قرأته فيه: أن اليمن لا يزال قادراً على استعادة دولته، وأن الجمهورية التي دفع اليمنيون من أجلها أثماناً باهظة ما زالت قضية شعب، وليست مجرد ذكرى في التقويم .

تعليقات الفيس بوك
↑
Exit mobile version